بعد كتاب "نساء على أجنحة الحلم" و الذي راقتكم مراجعته – حمدا لله – أعود هذه المرة مع كتاب آخر لعالمة الاجتماع المغربية والمدافعة الحقة عن حقوق نون النسوة المرحومة فاطمة المرنيسي: "شهرزاد ترحل إلى الغرب". كتابها هذا جاء كسلسلة تأملات قامت بها بعد صدور كتابها الأول والضجة التي أحدثها، إذ يبدأ أول ما يبدأ بعبارة "ولدتُ في حريم بفاس"، والتي خلقت مشكلا في الترجمة، لأن كلمة حريم الحريم العربية لها معنى مغاير تماما لكلمة Hareem باللغات الاوروبية. (انظر المقال). وهذا ما حدا بفاطمة إلى دراسة الموضوع بناء على حكاية "شهرزاد" والملك "شهريار"في قصص "ألف ليلة وليلة".

-- الاعتماد على الحكايات لفهم سبب اقامة الحريم:

من المعروف الأدب المكتوب تمارس عليه سلطة رقابية أكبر من الشفوي مثل الحكايات. فالشفوي له سلطة تمتعت بها الامهات والجدات لعقود وتميزن فيه، وربما كان ذلك السبب في عدم انتشار قصص ألف ليلة وليلة إلى أن اكتُشفت سنة 1704 ..

واحدة من راويات الحكايات التي تأترث بهن المرنيسي بالاضافة إلى شهرزاد هي جدتها "الياسمين" التي ازادات هي الاخرى وعاشت حياتها كلها في حريم. واحدة من الحكايات التي كانت ملهمة للمرنيسي هي حكاية "المرأة ذات الريش" التي رغم أن زوجها حبسها في القصر استطاعت يوم وجدت جناحيها أن تطير بهما بعيدا عنه. تستخلص المرنيسي أن السبب وراء اقامة الحريم هو خوف الرجل الشرقي من أن تصبح للمرأة أجنحة وتحلق بعيدا عنه او بالأحرى من أن تستخدم أجنحتها (لأنها مزودة بها أصلا) ) .."إنه يؤمن بكيدها و يسعى أن يتقي شرها وكيدها.. و دافعه الأول في هذا هو الخوف".

هذا الخوف من النساء كانت له جذور عندنا في التراث المغربي، كما عبر عنه أحد الرحالة المشهورين "عبد الرحمن المجدوب" قائلا:

مزين النسا بضحكات لو كان فيها يدومو *••* الحوت يعوم بلا ما وهن بلا ما يعومو (المعنى: ما أجمل النسوة عندما يضحكن، لو أنهن يدمن كذلك، لكن كيدهن يغلب عليهن)
حديث النسا يونس ويعلم الفهامة *••* يديرو شركة من الريح ويحسنولك بالا ما (حديث النسوة مؤنس وحكيم، لكنهن بالكلام كذلك يمكن أن يسببن لك في المضرة)

نفس التصور نجده في فن التصوير الاسلامي "المنمنات"، حيث تظهر المرأة بلباس ساتر تماما لكن مع أقواس وأجنحة و في وضعيات أقرب ما تكون إلى الاستعداد للانطلاق، ما يعكس نظرة الخوف والرغبة ف السيطرة التي كان يحملها الرجل آنذاك (هذا الهروب والخوف يجب ألا يفهم بالمعنى الحرفي فقط وإنما كذاك من منظور التمنع اللي كانت النسوة يمارسنه على الرجال وبنوع من التحكم والسادية أحيانا، مثل قول هارون الرشيد عندما امتنعت عليه جارية من الجواري وحزن رغم أن القصر مليء بالنساء: مالي تطاوعني البرية كلها *••* واطيعهن وهن في عصياني)

سبب آخر تستخلصه المرنيسي كسبب لإقامة الحريم وفرض حظر التجوال على النساء وقصر مشاركاتهن في الحياة العامة هو عدم قبول المجتمع للتعددية, فالتطرف هو عدم قبول الاختلاف، والمرأة، كجنس مختلف على الرجل، يجب على هذا الأخير أن يتقبله ويتقبل اختلافه عنه، وهو ما لم يكن للأسف وبدأ التطرف يسود بعد عصر الأمويين خاصة، أما قبل ذلك، فكانت المرأة كيف ماهو معلوم في الجاهلية و في الاسلام تخرج وتجلس للفتوى في مجلس الرجال وتعطي العلم وتدخل على الخلفاء بدون مشكل :

"شاء المستبد اخفاء الاختلاف و تحجيب المرأة لسبب بسيط: بما أن المساواة هي القيمة المقدسة في جوهر الاسلام، فإن التعددية تفرض نفسها إذا ما بدت المرأة في المجال العام بدون حجاب. ان اية مصادرة استبدادية للسلطة لا يمكن ان تحصل دون فرض الحجاب على النساء، وتحقيق وهم انعدام الاختلاف داخل الامة"

الحجاب التي تقصده هنا المرنيسي ليس الزي الذي تقر بأنه حرية فردية، بل هو حجب المرأة من المجال العام وفرض رقابة عليها وعلى تحركاتها كما في ايران مثلا.

يتبع ..