الفكرة الخطيرة التي تعالجها المرنيسي هنا هي: هل الفكرة التي تحملها المجتمعات الشرقية عن المرأة وهذا الحجر الممارس عليها، هل هو نابع من ثقافتنا وموروثنا، أم هي نظرة مستوردة؟ الجواب الذي وجدت المرنيسي هو أن نظرتنا التشييئية للمرأة قادمة من الغرب، وأننا نحمل نظرة أخرى مغايرة لها !

شهرزاد الشرقية

المرنيسي تستعمل هنا شخصية شهرزاد المأخوذة من حكايات ألف ليلة وليلة: فمن المعروف أن شهرزاد تطوعت بعدما طفح الكيل بنساء ورجال القبيلة من العنف الممارس عليهم من طرف الملك شهريار الذي كان يتزوج في كل ليلة فتاة و يقتلها في الصباح التالي، فتطوعت شهرزاد وطلبت من أبيها أن يزوجها علها تثنيه عن عادته. وهو ما حدث بالفعل، حيث أن الملك لم يقتلها، بل تركها تحكي طول اليل إلى أن حل الصباح "وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح"، واستمر ذلك كل ليلة حتى بلغت ألف ليلة. هنا تحلل المرنيسي شخصية شهرزاد:

- لديها مخطط واستراتيجية واضحة، ولا تدخل المعركة دون معرفة مسبقة بالملك وحيثيات هذا الفعل الذي كان يقدم عليه

- لديها رصيد ثقافي كبير، وهو ما أهلها لتحكي كل ليلة حكاية مختلفة يظل الملك على اثرها متشوقا لحكاية أخرى

- لديها القدرة على الاحتفاظ ببرودة دمها والتحكم في الموقف، فليس من الهين أن يكون مصيرك المنتظر الموت و تجلس مع ذلك بثقة و تحكم في الأعصاب لتحكي حكاية لقاتلك !

- لم تستعمل جسدها كإغراء، ولو فعلت ذلك كما فعلت سابقاتها لكن مصيرها الموت حتما

"لو كانت شهرزاد ترى نفسها بليدة لكان الملك قطع رأسها .. ولو كانت اعتمدت على جسدها لكان مصيرها كذلك، لكنها تنسج خطة أخرى أساسها الذكاء والحوار .. إنها تحترم قدرة الكائن على تغيير قدره. السحر كائن فينا. تلك هي رسالة شهرزاد"

تضيف المرنيسي في معرض حديثها عن شهرزاد أنه حتى إذا اعتبرناها "جارية" من جواري السلطان، فإن هذه اللفظات العربية مثل جارية ووصيفة وغيرها في معنى يحيل على الذكاء بجانب الجمال. فالجواري لم يكن يشترين فقط لجمالهن، بل يتم التفريق بينهن من ناحية الذكاء و حسن المنطق و العلم بالشعر و الموسيقى والأنساب، وهؤلاء كن يحظين بشرف مسامرة السلطان (أي الحديث المطول ليلا عن شتى المعارف.

شهرزاد الغربية

شهرزاد إذن كما رأينا كانت على حظ من ذكاء وقدرة على الحوار، وذات شخصية قوية حاضرة، فما الذي حدث لها عندما انتقلت إلى الغرب؟ كان ذلك سنة 1704 عندما اكتشفت حكايات ألف ليلة وليلة من طرف أحد المترجمين الفرنسيين. من هنا بدأ مسلسل انحطاطا "شهرزاد" ومعها صورة المرأة الشرقية: ففي الكتب التي أعادت حكاية شهرزاد نجد بعضها وقد وُضع على غلافه صورة امرأة عارية تمثل شهرزاد (من قال لهم أن شهرزاد كانت كذلك؟)، و في بعضها الآخر نجد أن القصة تم تحريفها حيث يصبح مصير شهرزاد الموت بل والرضى به ! وفي كتب أخرى مثل ذلك الذي وجدته المرنيسي في مكتبة ببرلين أيضا كتاب عنوانه "الحريم، تاريخ المؤسسة لدى السلاطين الاتراك" والذي حسب الصحفي الذي كان مرافقا لها "يمثل تصور الغربيين عن الحريم"، وجدت أن الحريم يُصور كمكان فيه سلطان شيخ كبير مع آلاف الفتيات المتعطرات المتزينات الجاهزات لتلبية رغباته المريضة. وفي العروض الأولى للأفلام التي قدمت شخصية شهرزاد، تم تقديمها بشكل فتاة تلبس لباسا نصف عار وترقص مع الجاريات الأخريات، وفي عرض الباليه الذي حضرته المرنيسي شخصيا ببرلين كانت شخصية شهرزاد تفعل الشيء نفسه، أي ترقص باستمرار دون كلام، أي انه تم تجريدها من أقوى سلاح عندها: سلاح العقل والحوار، و استغنت عن ذلك بجسدها فقط.

"بدأت أفهم السر الكامن وراء عدم خوف الرجل الغربي من المرأة في حريمه الخيالي. فوجئت بأن شهرزاد في عرض الباليه كانت ترقص باستمرار، كنت أنتظر منها ان تتوقف وتروي أحدى الحكايات التي خلدتها على مر العصور. لا شيء حدث من ذلك. لقد كانت شهرزاد التي تعرض في مدينة برلين مجردة من أقوى اسلحتها في الجاذبية أي التكلم، و من العقل كمصدر للكلام. ... لقد نجحت شهرزاد في التأثير على أحاسيس زوجها حين حاولت تصويب كلماتها إلى عقله. إن شهرزاد الشرقية لا ترقص ولكنها تفكر وتتحدث، إنها تنسج حكايات بالغة الجمال بواسطة الكلمات، إلى حد أن زوجها يفقد الرغبة في قتلها. وعلى عكس المرأة التي رأيتها تستعرض جسدها على غلاف أزرق صارخ، فإن شهرزاد الشرقية ذكية، وتجعل من هذه الميزة أقوى إغراءاتها، فهي إذا ما رقصت تفعل ذلك بالكلمات ... "

فنانون آخرون ورسامون كذلك اتخذوا من شهرزاد موضوعا لهم في حين أنهم كانوا يعكسون نظرتهم فقط، حيث تظهر المرأة في عدة لوحات سليبة العقل وفي وضعيات مستسلمة خاضعة صامتة معتمدة على الاغراء الجسدي والعري، وفي صور اخرى تظهر كامرأة سطحية مفرطة في الاناقة والتزين بالحلي والمجوهرات.

ما سبب هذا التحول؟ ربما تكون واحدة من الأسباب هي "الترجمة"، فاللغة العربية تغطي بفصاحتها على كمية الايحاءات الجنسية الموجودة في حكايات ألف ليلة وليلة، وهو ما كان صعبا تحقيقه في اللغات الاخرى. ينضاف إلى ذلك "الفرصة" التي خلقتها هذه الحكايات أمام جمع من المتلقين الغربين (خاصة في السياق التاريخي لانتشارها) للهروب من نفاق رجال الدين وتحكمهم وللهروب كذلك من العقلانية الباردة لدى الفلاسفة.