سفيتلانا كاتبة وصحفية بلاروسية حاصلة على جائزة نوبل للآداب سنة 2015 عن مجمل أعمالها التي اتخذت الحرب موضوعا عاما لها. وقد استطاعت انشاء نمط جديد من الروايات القائمة على أساس كتابة أصوات من عايشوا الحرب وويلاتها; ليس من الجانب الصحفي القائم على استقصاء عدد القتلى والجرحى، ولا من الجانب البطولي كاستعراض عدد الجنود المشاركين والمناطق المسيطَر عليها، بل من جانب انساني بحت. إنها، وهي تلتقي على مدى سنوات من عايشوا الحرب، كانت تريد أن تعرِّي الجانب الانساني الذي يظل الجميع معرضا عنه: كيف كان شعورهم وهم يتقدمون للقتال؟ وهم يتركون أحبابهم غير متأكدين إن كانوا سيعودون ام لا؟ كيف هو شعور الانسان أثناء التصويب على أخيه "الانسان"، الذي له هو الآخر أحبائه وحياته وآماله؟ إن ألوان الحرب هذه وأحاسيسها هي الشغل الشاغل لسفيتلانا، وقد نجحت ببراعة في ايصالها من خلال روايتي "ليس للحرب وجه أنثوي" و "فتيان الزنك". اهتمامنا في هذا المقال سيتركز حول الاختلافات بين الصوت الرجالي ونظيره النسائي خلال الحديث عن "الحرب".

سبب المشاركة

في "ليس للحرب وجه أنثوي" جمعت الكاتبة أصوات من شاركن في الحرب السوفييتية الألمانية. أغلب من ذهبن للحرب أنذاك كن فتيات من سن 14 إلى 18 عاما. وماذا تفعل فتيات في الحرب؟ حتى طبيعيتهن الأنثوية لا تتناسب مع ما تتطلبه الحرب من شجاعة واقدام ومن قدرة على القتل، لكنهن ذهبن لأسابا عدة. فمنهن من كانت مدفوعة بالثأر لأب أو أخ مات في الحرب قبلا، ومنهن من كانت تريد أن تشرف العائلة بتردد اسمها بين من حاربوا من أجل "الوطن"، ومنهن من كانت مدفوعة بفضول معرفة ماذا يجري هناك فقط. أما بالنسبة ل"فتيان الزنك"، فقد جمعت الكاتبة أصوات وشهادات من عايشوا الحرب السوفييتية على أفغانستان. عدد كبير من الشباب ذهبوا مدفوعين برغبة الاكتشاف فقط، برغبة اثبات الرجولة و التحدي : "مادام الآخرون قادرين فأنا أيضا أستطيع"، وقلة من ذهبوا بنية الثأر.

 التفكير في لا جدوى الحرب

أغلب من شاركون في الحرب الأفغانية عادوا بإحساس جلد الذات وعذاب الضمير بشكل أكبر لأنهم، في الوقت الذي ذهبو وهم مقتنعون بما كانت تمليه وسائل الاعلام من ضرورة الحرب لأجل "المصالح الجيوسياسية" وغيرها من الشعارات اكتشفوا بعد عودتهم أنهم شاركوا في حرب لم يكن لها معنى أصلا وما كان ينبغي أن تحدث. عذاب الضمير هذا قاد العديدين إلى الانتحار أو إلى ارتكاب فظاعات أدخلتهم غياهب السجن لسنين. حالات الانتحار (فضلا عن التفكير فيه أصلا) أثناء الحرب كانت شبه منعدمة عند الفتيات كما يتبين من خلال "ليس للحرب وجه انثوي"، رغم الويلات التي عاينَّها، في حين أن الانتحار كان أمرا جاريا به العمل عند الجنود خاصة المستقدمين حديثا ممن لم يستحملوا الأوضاع واهانات الضباط القدماء.

الاستعداد للحرب

إذا كان الاستعداد للحرب غير ذا بال بالنسبة للرجال، فإن هذه المسألة كانت ذات شأن كبير للفتيات. تروي الفتيات في "ليس للحرب وجه أنثوي" عن ضفائر الشعر التي قصت، والقصات الرجالية التي كان عليهن الاعتياد عليها و الابتعاد عن الأزياء النسائية (والألبسة الداخلية النسائية أيضا) بحسرة وألم. الاعتياد على الملابس الخشنة التي لا تناسب مقاساتهن وكذا الجزمات الطويلة القاسية لم يكن سهلا كذلك (أين يمكن أن تجد زيا حربيا لفتاة صغيرة؟!) بل حتى التعامل مع خصوصية الحياة عند الفتيات كان أمرا صعبا (نتحدث هنا عن الدورة الشهرية ومستلزماتها). تحدتث الفتيات كذلك عن بعض الجنود والضباط ممن أظهروا شهامة و دافعوا عنهن، دون اغفال لأوغادٍ أٌخر ممن كانوا يستغلونهن (خاصة وأن فترة الحرب الطويلة تعني الحرمان الجنسي شبه التام)، و أخريات ممن كن يقايِضن سلامتهن بالرضوخ لمستغليهم من القادة و الضباط .

أعمال الحرب

ربما أكثر ما صدمني في "ليس للحرب وجه أنثوي" هو الحديث عن "الحياة في الحرب"، فالحرب حسب الكاتبة يجري خلالها جزء كبير من الأعمال اليومية العادية التي تمارس في كل بيت من طبخ وعجن واصلاح سيارات وتوزيع للبريد و غيرها. نلاحظ كذلك من خلال مهن من التقتهن الكاتبة أن مشاركتهن في الحرب لم تقتصر على اطلاق النار فقط: بل كانت هناك الطبيبة الجراحة والممرضة وعاملة اللاسكلي و المخبرات و جنديات المشاة و سلاح الطيران وقاذفات القنابل وقائدات المدرعات، أي أنهن شاركن في جميع المراكز بل وتبوأن مراكز بطولية كبرى شأنهن في ذلك شأن الرجال رغم عدم تقبل كثير من المجندين للأمر.

مشاهد القتل

في العادة، تحكي النسوة عن أي موضوع بتفاصيل أكثر من شقيقها الرجل. هنا، تحكي النسوة عن ألوان الحرب (الدم الأحمر القاني وتحوله للأسود بعد مكوته لساعات) وعن أنسامها (رائحة الدم والجثت، روائح التراب التي تظل عالقة بااللباس جراء المكوث بالخنادق لساعات ...)، عن ثقل اللباس الحربي خاصة بعد تبلله، عن الأيام الأولى التي اكتشفن فيها أن الحرب تعني قتل انسان من لحم و دم، عن ارتعاشات أيديهن والبكاء الذي كان ينتابهن بعد كل عملية (والذي قد يستمر ليالي كاملة)، عن مرابطتهن كقناصات لساعات طويلة ليلا في البرد القارس. تفاصيل كثيرة لا نجد مثلها عند الرجال في "فتيان الزنك". اختلاف دقيق آخر هنا هو أن التفكير في أتناء العملية الحربية كان شبه غائب عند الرجال عكس النساء، فالنسوة ترتعش أيديهن ويفكرن في الأمر لحظة تنفيذه وربما بكين أنذاك، أما الرجال فكانوا أثناء القتال يهتمون بالقتال بوصفه عملا مجردا من كل احساس: "لقد علمونا: يبقى على قيد الحياة من يطلق النار اولا. فكنت أطلق النار دون شفقة على احد. وكان في استطاعتي أن أقتل طفلا ... ولو أعطي الأمر لنا لحولنا القرية كلها إلى رماد، لمحوناها من وجه الأرض.. لم يكن هناك وقت للتفكير ..". الخوف و التفكير كان ينتاب الجنود بعد العودة إلى الثكنات، ولم يكن هناك من سبيل لإخماد تلك الأفكار سوى المخدرات التي كانوا يتعاطونها (والتي كانوا يشترونها من عند الأفغانيين أيضا، بل وربما أعطوها لهم بدون مقابل كما يحكي ذلك أكثر من جندي).

بعد الحرب

أغلب النسوة لم يجدن صدى لأصواتهن: لا معونات ولا اعترافات بالتضحيات (رغم عدة مداليات نلنها أثناء الحرب)، بل حتى الزواج كن محرومات منه! فما إن يُسمَع عن فلانة أنها كانت من المشاركين في الحرب حتى يتم صرف النظر عنها، وكثيرات هن من أخفين هذه الحقيقة من أجل الظفر بزوج يعينهن على الحياة. كثيرات أيضا حاولن الانخراط في أعمال عدة من أجل نسيان زمن الحرب. الأمر مع "فتيان الزنك" كان مختلفا تماما، ففضلا عن التفكير في لا جدوى الحرب والتبعات النفسية التي عانى منها الكثير منهم، أغلبهم لم يستطيعوا الانخراط مجددا في الحياة العامة، وحتى لقب "الأفغان" كان شؤما عليهم لأن ما شاع بعد الحرب أن هؤلاء من أسوء الجنود وأكثرهم وحشية ودموية، ماحدى بالكثيرين إلى تجنبهم و ضاعف أيضا من مأساتهم: فإذا كان الشعب قد احتفى وهو يرسلهم إلى الحرب فإنه تنكر لهم عندما عادوا ونظر إليهم كما لو كانوا مجرد سفاحين وقتلة. المعطوبون كانوا أسوء حالا حيث ينضاف إلى كل ما سبق تنكر الدولة لهم وعدم استفاتهم من أية معونات. 

أقوى الاقتباسات

أحد ما خاننا .. وعرف الألمان مكان تموضع فصيلة الأنصار.. لأيام عدة بل ولأسابيع، كنا نقف في المستنقعات التي تغطينا حتى العنق في الماء. كانت بيننا عاملة لاسلكي. وكانت قد وضعت مولودها قبل فترة قصيرة. الرضيع جائع، يطلب ثدي أمه، لكن أمه نفسها جائعة، ولا حليب في ثدييها، والرضيع يبكي. والألمان السفاحون على مقربة مع كلابهم، واذا ما سمعت الكلاب اي صوت فسنهلك جميعا. ثلاثون فردا. أتدركين هذا؟ قائد الفصيلة يتخذ القرار. لا يجرؤ أحد على نقل الأمر إلى الأم، لكنها تخمن نفسها مضمونه. تنزل باللفافة مع الطفل الى قاع المستنقع وتبقيه في الاسفل طويلا. يتوقف الرضيع عن الصراخ . دون أدنى صوت. لا يمكننا النظر بأعيننا، لا إلى الأم، ولا إلى أحدنا الآخر.

لقد جُلب أفضل أصدقائي، كان لي مثل الأخ، في كيس من السيلوفان من إحدى الغارات. الرأس على حدة، والذراعان والساقان على حدة، والجلد مسلوخ .. لقد كان فتى يعزف على الكمان وينظم الأشعار. لقد نقلت أمه بعد يومين من دفنه إلى مستشفى الأمراض العقلية. كانت ترقد نائمة في المقبرة، فوق قبره. وفي الشتاء نامت فوق الثلج .