للوهلة الأولى وأنت تقرأ هذا العنوان يخطر في بالك مجوعة من الأفكار التي لا حصر لها ، تقول : ماذا يقصد بالمجني عليهم ؟! ، ومن هو سليمان القانوني؟! .

لو فكرنا قليلا لوجدنا بعضنا إن لم يكن جُلُنا يربط اسم " سليمان القانوني " بالكارثة الدرامية المعروفة باسم " حريم السلطان " - أو كما أرادوا أن يترجموها لنا - رجل زيرٌ للنساء عاشق للدنيا وملذاتها تصارع هو وإخوته على الحكم، ثم ما لبث أن فَسَد أهله فصار كل فِرقٍ منهم كالطود العظيم ، يلهث كل منهم على عرش أبيه وتعينهم على ذلك أمهاتهم .

لك أن تتخيل عزيزي القارئ أن الترجمة الحقيقة لاسم هذا المسلسل بالتركية هو " القرن الأعظم " وليس كما صوروا لنا " حريم السلطان " ، فما هو غرضهم من استعمال تلك الإيحاءات الخبيثة الموجهة لشخص هذا العملاق الإسلامي - سليمان القانوني - ؟ .

لو كنت منصفاً لوجدت أن المشكلة الحقيقة ليست في إنتاج المسلسل ولا في عرضه ، ولكن المشكلة في من تابع هذا المسلسل ، فشخص سليمان القانوني بشكل عام ليس هو المستهدف ، فالرجل قد توفاه الله بعد أن خدم الإسلام أيما خدمة ، بل والمذهل حقا ً أن تعرف أنه وحتى يومنا هذا يحظى باحترام وتقدير من أعدائه قبل أصدقائه ، فعند البحث في أدبيات الغرب نجد أن اسمه ليس القانوني ولكن كانوا يلقبونه بسليمان العظيم أو سليمان الرائع " Suleiman The  "Magnificent، بل ويعتبرونه ملكاً من أعظم ملوك أوروبا بأسرها ! .

هذا الرجل الذي قال عنه المؤرخ الألماني الشهير هاملر " لقد كان هذا السلطان أخطر علينا من صلاح الدين نفسه " ، كما قال عنه المؤرخ الإنجليزي هارولد لامب " إن أعياد المسيحيين كثيرة ، وإن سألتني عن أهمها فهو بلا شك يوم وفاة سليمان الأعظم " .

إذا وبعد كل هذا يطرُق عقولنا سؤال يكاد يمزقها؛من المستهدف إذا من هذا التشويه ولمصلحة من ؟! ، بل ولماذا كلفوا أنفسهم هذا الجهد حتى تصل لنا المعلومة بهذه الصورة ؟! .

الحقيقة المؤلمة التي يغفل عنها الكثيرون​ هي أن الهدف الرئيسي من تشويه رموز هذه الأمة هو أنا وأنت ، وطفلك الذي سيكبر يوماً دون أن يجد رمزاً واحداً من أمته يصلح أن يكون قدوة له يحذو حذوها ، يريدون منا أن نهدم أنفسنا بأيدينا، أن نكفر بكل ما كان مقدساً لدينا، فنتحول في نهاية الأمر إلى عقول فارغة مشوشة ومشوهة لا خير فيها ولا رجاء، فتتحول عقولنا أرضاً خصبة يزرعونها بالترهات والتفاهات التي يختارونها هم لنا ، فغزاة التاريخ أخشى ما يخشونه هو عودة روح الإسلام ومجده لشباب هذه الأمة حتى لا تقوم لها قائمة مرة أخرى .

وقد عزمت بإذن الله كتابة سلسلة من المقالات تحت هذا العنوان للتحدث عن نماذج لأبطال مسلمين شباب من الجيل العثماني الفريد الذي ساهم أيما مساهمة في نصر دين الله وإعلاء كلمته ، وبطلنا هذه الليلة هو السلطان سليمان القانوني رحمه الله وألحقنا به في مستقر رحمته .

اسمه سليمان بن سليم الأول بن بايزيد الثاني بن محمد الفاتح بن مراد الثاني ابن محمد الأول بن بايزيد الأول (المشهور ببايزيد الصاعقة) بن مراد الأول بن أورخان غازي بن عثمان بن أرطغرل ، وُلِد في مدينة (طرابزون) والتي كان والده والياً عليها آنذاك (قبل توليه الخلافة)، وقد اهتم به والده اهتماما عظيماً ، فنشأ محباً للعلم والعلماء ، واشتهر منذ شبابه بالجدية والوقار، ارتقى عرش السلطنة في السادسة والعشرين من عمره ، وكان متأنياً في جميع شؤونه ولا يتعجل في الأعمال التي يريد تنفيذها .

وما أن تسلم هذا الشاب الفٙتيُ مقاليد الحكم حتى ابتلاه الله بتمرد الولاة عليه نظرا لصغر سنه وكان هذا أصعب اختبار له ، فقد واجه أربع محاولات تمرد وهي :

١- قام جان بردي الغزالي والي الشام بتمرد على الدولة وأعلن العصيان عليها ، وحاول أن يستولي على حلب إلا أنه فشل في ذلك وانتهى به المطاف بقطع رأسه وإرساله إلى إسطنبول دلالة على إنهاء التمرد .

٢- المحاولة الثانية قام بها أحمد شاه الخائن في مصر وكان هذا عام ٩٣٠هجرياً / ١٥٢٤ ميلادياً وذلك نظرا لطمعه في منصب الصدر الأعظم ولكن ما لبث أن فشل أيضا بعد هزيمته على يد الجنود الإنكشارية وعادت مصر بعدها إلى حاضنة الخلافة العثمانية.

٣- المحاولة الثالثة كانت من طرف الشيعة الروافض تحت قيادة بابا ذو النون عام ١٥٢٦م في منطقة يوزغاد تحديداً وقويت حركته نتيجة انتصاره على بعض القواد العثمانيين ولكن انتهى به المطاف أيضاً مقطوع الرأس في إسطنبول.

٤- المحاولة الرابعة جاءت أيضاً من طرف الشيعة ولكن هذه المرة من منطقتي قونية ومرعش، وتحت قيادة قلندر جلبي ، ولكنه فشل بعد أن استطاع الصدر الأعظم آنذاك إبراهيم باشا استمالة بعض رجاله فقلّت قواته وهُزم وقُتل .

وبهذا استطاع السلطان الشاب الضرب بيد من حديد واستحق أن يُهاب بين الناس ، فما هي إلا أشهر معدودة حتى تحول من مجرد حاكم للدولة العثمانية إلى أعظم ملك من ملوك الأرض في ذلك الوقت ، بل ووصل الأمر أن يتوسل ملك فرنسا فرنسيس الأول الخليفة المسلم أن ينقذه من احتلال الأسبان الذين احتلوا بلاده ، وبالفعل أرسل السلطان سليمان القانوني قواته تحت قيادة المخضرم خير الدين بربروسا ، فحرر المسلمون مدينة " نيس " وجزيرة " كورسيكا " ، واستولى المسلمون كذلك على ميناء طولون فتم رفع علم الخلافة على هذه المدينة وأصبحت تصدح ليلاً ونهاراً بصوت الأذان .

من أعظم الفتوحات التي لا يمكن أن نغفلها أيضاً في عهد القانوني هو فتح جزيرة رودس ، فقد كانت هذه الجزيرة مقراً لفرسان القديس يوحنا (فرسان الهوسبتالية) واشتهروا بتطرفهم وتعصبهم الديني ، فقد كانوا يقطعون طريق الحجاج المسلمين الأتراك إلى الحجاز ، فضلاً عن أعمالهم العدوانية الموجهة لخطوط المواصلات البحرية العثمانية ، فاهتم السلطان بفتح هذه الجزيرة وشن عليها حرباً كبيرة ابتداءاً من منتصف عام ١٥٢٢م ، واستطاع فتحها وأعطى للفرسان حق الانتقال منها ، فذهبوا إلى (مالطة)وهناك أعطاهم (شارل كونت) حق حكم هذه الجزيرة .

هذا فقط غَيضٌ من فَيضٍ من سيرة هذا البطل العطرة الذي والله تخجل أناملي وتتواضع عند الكتابة عن مثل هذا المغوار الذي أسأل الله ألا يحرمنا أجره وأن يخرج من أصلابنا مئات بل ألوف من سليمان القانوني الرجل الذي زلزل عرش أوروبا بأكملها وأخضع رقاب الكافرين لإعلاء كلمة الله والنصر دين الله .

في المقال المقبل نتحدث عن رجل عدّه المؤرخون أذكى شخصية سياسية في التاريخ ، الرجل واجه الحلم اليهودي في مهده ، الرجل الذي حاربته أوروبا بأكملها فما استطاعوا أن يهزموه أو يُثنوه عن عزمه . فمن هو هذا العملاق ؟!