هناك في مكة فتى قرشي يدعى عمر بن أبي ربيعة، قد سجلت له كتب التاريخ والأدب رائية هي من أروع قصائد العرب، وهي القصيدة المشهورة التي مطلعها:

  أمن آل نعم أنت غاد فمبكر .. غداة غد أم رائح فمهجر

وهذه القصيدة تتضمن في أبياتها قصة لطيفها، فحواها أن عمر هذا أحب نعما، ثم لأمر ما تركها، فأكملت نعم حياتها وتزوجت، ثم عاد بعد سنين عددا؛ فرأى نعما، وإذ به قد تقطعت به كل طرق الوصول إليها، فرأته يوما وعرفته وتعجبت لحاله؛ فقد أصبح نحيفا أشعث أغبر، لا يكاد يظهر عليه مظهره الأول، وإذ به يتذكر يوما زارها فيه في خدرها وأهلها نيام، فلما دخل عليها دار بينهما حوار لطيف، يتضمن عتابا نعم لعمر على إتيانه ووضع نعم في خطر وفضيحة، ثم أخذهم الكلام إلى أن طلع الصبح، فقال في ذلك عمر أبيات لا أحسبني تجاوزتها، ولا أنساهم أبدا، قال:

فَلَمّا تَقَضّى اللَيلُ إِلّا أَقَلَّهُ .. وَكادَت تَوالي نَجمِهِ تَتَغَوَّرُ

 أَشارَت بِأَنَّ الحَيَّ قَد حانَ مِنهُمُ .. هُبوبٌ وَلَكِن مَوعِدٌ مِنكَ عَزوَرُ

فَما راعَني إِلّا مُنادٍ تَرَحَّلوا .. وَقَد لاحَ مَعروفٌ مِنَ الصُبحِ أَشقَرُ


هذا البيت الأخير استوقفني كثيرا، وجعلني أذهب بالقصيدة مذهبا آخير غير الذي كتبت له؛ إن حال عمر مع حبيبته، كحالنا مع دنيانا؛ فنحن أبناء آدم نتكبد عناء السير إلى الدنيا من أي طريق يوصلنا إليها، ونفني أعمارنا في أمور لم نخلق من أجلها وكل فترة يأتي من ينبها أن الموت قد قرب وقته، كما نبهت نعم عمر بأن الحي قد دنا وقت قيامهم، ولكننا لا نلقي بالا للناصحين، ولا نقيم لكلامهم وزنا، حتى يأتي ما لن نتذكر أننا نخشاه إلا وقت لقياه، هذا القدر المحتوم، الذي لا مفر منه، إنه الموت الذي يأتى ومعه الذكرى التي لن تنسى، والعبرة بعد فوات الأوان، ووقت الموت يكون هذا حالنا "فما راعني إلا مناد ترحلوا" إذا بنا نجزع من قولة كهذه، ولكن أي فزع ينفع، فمن عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، وإما الجنة أبدا، أو النار أبدا.

وههنا تتجلى قولة أمير المؤمنين على -رضي الله عنه- الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا.

فانتبهوا يرحمكم الله.