◇أعلامٌ يَجِبُ أن تُرفرف.

"مَن أنتَ؟"، "ولمَ أنتَ؟"، من زنزانة العزال الانفرادي داخل زنازين اليهود على أرضِ فلسطين المحتلّة، يُجيبُ عبد الله البرغوثي، أو كما يُسمّونه (أمير الظلّ) على هذين السؤالين اللذين طرحتهما ابنته تالا في رسالةٍ تسأله فيها عنه، وترجوه أن يُخبرها: مَنَ هو؟ هل هو عبد الله البرغوثي الذي أسر قلبَ والدتها وحَملها على جوّاده كما تحلم باقي الفتيات، أم أمير الظلّ الذي أذاقَ العدو الويلات؟ هل هو المهندس التاجر الذي يحتَكِم على الكثير والكثير من الأموال، أم ذاك المجاهد الفقير المطارد المطلوب من قِبل قوات الشَّاباك الإسرائيلية؟

"والدي أجب على سؤالي: مَن أنتَ؟ ولماذا تركتني طفلةً صغيرة لا يتجاوز عمرها الثلاثة أعوام ملقاة بسيارة تُحاصرها الكلابُ من كلّ صوب؟ لماذا تركتني في البردِ القارص بعد أن غبت ولم أعد أراكَ؟".

(مهندس على الطريق): ليستْ رواية درامية، ولا خيال علمي، ولا حتّى "فانتازيا"، ولكنّها باختصار حقيقة المُجاهد عبد الله البرغوثي، أو كما يسمّونه أمير الظلّ.

وعبد الله ما زال مُعضلة لدى قوات الشاباك الإسرائيلية بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، ولا يزالوا يرونه عقليةً فذّة لم يعهدوها من قَبل! وهذه حقيقة؛ فهو الذي انتحَل مئات الشخصيات، وفجّر عشرات المواقع، وسبق عقله الزّمان ببضْعة معدّات إليكترونية صغيرة، فصنع منها المتفجّرات، ونصبَ الكمائن، واخترق المواقع السريّة، وكشف كلّ شيء لطالما سهروا على إخفائه.

من دولة الكويت، مروراً بعمان، إلى أن وصل إلى كوريا الجنوبية لدراسة الهندسة الإليكتروميكانيكية. مِن رياضة الجودو وهواية تفكيك القطع الإلكترونية، إلى التدرّب على السلاح وصناعة القنابل الموقوتة. من الفقر إلى الثراء، ومن عدم الرغبة في الزواجِ إلى البناءِ بكوريّةٍ صامتة لا تسأله عَن شيء. وفي النّهاية، من الإنفصال بكوريا إلى الاتّصال بفلسطين الأمّ والوطن... إلى الزواج المقدّس الذي بدأت معه حكاية أمير الظلّ.. حكاية صاحب أعلى حُكم في القضية الفلسطينية، حكاية المحكوم بسبعة وستين مُؤبّداً وخمسة آلاف ومئتي عام!! حكاية صاحب أكبر ملف أمني في تاريخ دولة الاحتلال الصهيوني.. حكاية عبد الله البرغوثي.

هذه الوريقات التي لا تصِل لمئتي صفحة، يغزل فيهم عبد الله البرغوثي حِكايته كاملة، ويطرّز في صدرهم الجمال الطبيعي الآسر للقدّس الأبيّة، ويأكل الزيتون في صحْفٍ قديمٍ -بعد أن كان يأكل في أرقى مطاعم كوريا الجنوبية- داخل قصْرٍ تهاوتْ عليه مئات السنوات ورثه أبيه عَن جدّه، فتشعر بطعم الزيتون في فمك، ويسردُ حاكياً عَن أجواء المدن التي لا تزال صامدة، فتشعر بأنّ التّاريخ له عزّة ولا يزال حياً لم يلفظ أنفاسه بَعد.

"عبد الله السّيف" كما نعته والده، حمل أمانة شهيدٍ من شيخٍ كبير ليكمل المسيرة، وها هو في غياهبِ السّجون وأظنّ أن الأمانة راكدة تحتاج من يحملها بعده.

عبد الله البرغوثي، أمير الظلّ الذي لم يمنعه وابل الرصاص من الحُبّ، فأحبّ وتزوج، وأنجب أطفالاً يقصّ الآن لهم حكاياته من داخل الأقفاص: إنّه كان بطلاً، وإنّ الحياة واحدة، والموت واحد، فحذاري أن تعيش بذلّ، أو تموت منحني الرأس والقامة.

إن كُنت تُحبّ أن تقرأ عَن الخيال فقرأ هذه الصفحات، وإن كُنت تهوى الحُبّ فاقرأ ولا تتردّد، ولكن الحُبّ المكتوب هنا ليس خيالاً، ولا حُبّاً مصطنعاً، ولا كلماتٍ عاطفية، وأبيات شِعْرٍ غزلية، ولكنّه الحُبّ الحقيقي الذي يتحمّل فيه الطرفان مصارع الحياةِ معاً؛ يُؤمنون بفكرةٍ واحدة، ويقبلون نحو موتٍ مُحتم. حُبّ لم تحدث فيه مشاكل، لا عندما كان ثريّاً، ولا عندما كان فقيراً معدوماً، لا عندما كان حرّاً يتجوّل معها في ساحات الفنادق، ولا عندما كان طريداً بلا مأوى. وإن كُنت تُحِبّ أن تقرأ عَن حياةِ المجاهدين البسيطة الفطْرية فاقرأ هذه أيضاً، وإن كنت مثلي لا تَجِد لغير الحقيقة فراغاً فاقرأ الحقيقة الواقعية لسنواتٍ أصرّ عبد الله أن يسطّر تاريخها بمحضِ أرادته وفكْره وعقله.