أشغاف بدون شغف؟

من أول تلك المشاهد العظيمة والزلازل الرهيبة التي تبدأ مع وقع النطف الأولى في غياهب الأرحام، هنا حيث يبدأ سيرك أيها الإنسان من هنا حيث تنبت صفحات حياتك الأولى ، من هنا حيث يبدأ التعب والشقاء ، من هذه اللحظة تظل قلوبا ساهرة بانتظارك بانتظار أنفاسك الأولى حيث أم تسير على وهن وأنت في بطنها تتكلف التعب وتقاسي لظى الوجع ، يتقلب عليها الليل والنهار وتمر اللحظات ثقيلة بالألم، لربما حملتك تسعة أشهر لم تذق فيها طيب النوم ولربما دق عظمها، وشحب وجهها من التعب ولربما سكبت دموع الوجع ولربما نزفت ، وهي في كل هذا تجهز لك جهازا يليق بقدومك الأول تجهز لك حبا يليق ببكاءك الأول ، علمت أمك أن قدومك لهذه الحياة ثقيل عليك موجع لك فهي تشفق عليك بحرارة المحب وتحنو إليك حنو الجذع إلى الضلع .

لا ينتهي الأمر بانصرام تسعة أشهر ففي نهاية الأمر دماء ومخاض ونزيف ومشيج وجع ، أتظن أيها الإنسان أنك عانقت هذه الحياة بدون ثمن أتظن أن ركلات الشوق إليها جاءت على يسير من الأمر، إن هناك في غرفة المخاض جسد أم مات ومات ومات وذاق الموت بجفنيه ثم عاد للحياة لتسمع أنت نبضاتك الأولى ، دماء نزفت أوصال قطعها الوجع ، نبضات تطايرت من الألم، أرحام عبرت كل السيوف ، سيوف جالت كل المعارك ، صرخات خسفت دموع القمر ، بلغت شغاف القمر ، وجه مصفر من الألم عيون ازرقت من الشدة والمخاض لا لازال يبسط فراشه لتنحدر تحت قدميك أيها الإنسان.

هل تخال أن كل تلك الأوجاع طحنت لتأتي أنت على هذه الأرض لتحظى بفرصة الحياة ، هل علمت ما كل هذا الوجع هل علمت ما كل هذا النصب الذي أصاب قلب أم وجسدها والله يرعاك في بطن أمك وأنت حيا ، لتأت أنت على صفحة الحياة أفيعقل أن تسقط المداد ولا تجعل من هذه الصفحة نقشا فريدا من حروفك من حروبك ، لتأت أنت على هذه الحرب أو هل يعقل أن تجيء بلا سيوف هل يعقل أن تستلم بعد هذا كله ، أيعقل أن تدوسك الحروب ؟ أيا هذا ودموع أمك ومخاض ألمك أنسيت عمق تلك اللحظات ؟ لم يكن مجيئك على هذه الحياة سهلا ، فلم تكون سهلا فيها ؟ أيا هذا وطلقات الألم وأنت تجيء ألا تكفي بك سببا أن تكون شيئا عظيما شيئا عميقا في هذه الحياة ، قد جئت على حين ألم أيها الإنسان ألا يجدر بك أن ترعى حق هذا الألم؟ ألا يجدر بك أن تتألم في وصولك في الحياة ؟

أيا هذا أيعقل أن يكون لك قلب كمضغة صغيرة تحتوي حجرات تحتضن الدم وخلايا تنقيه وشرايين وأوردة تبقيه وتزجيه وشغاف يحفظه وضلوع تضمه وقفص يحتويه وجسد يقله لينقل لك الدم ويدفع فيك النبض ، أو بعد كل هذا التعقيد تسير في الحياة سيرا بطيئا خفيفا بلا جدوى؟ أو بعد كل هذا لا تفجر نبضاته إعصارا لحياتك؟ أو بعد هذا تيأس ولا تسير إلى أهدافك؟ أو بعد هذا تزجي النبض على قوراع الطرق ؟ أحياة بدون رهف ؟ أشغاف بدون شغف ؟ أشغاف بدون شغف؟؟!