إني أختنق يوما بعد يوم وأكاد أنفجر عدت مع الحادية عشر للصباح كنت متعبا وريقي قد جف .أبحث عن شيء سائل يشرب .سأموت عطشا ولا أعرف إن كان عطشا أم لا .إبني كان يشاهد فيلما قديمة لسيدة تقبل رجلا وكان الرجل يصرخ لم ينتبه لدخولي البيت .كنت في المطبخ بحثت وبحثت ولم أجد غير قارورة بيضاء فتحتها وشربت .لم أدري ماهو ماء أم زيت .ترجلت قليلا ناحية بيت الجلوس وارتميت أنظر للسقف وكأنني ثملت حد النخاع .صوت التلفاز كأنه وخز بالإبر في جمجمتي .لم أستطع الصراخ على ابني يوسف ليوقفه .كنت أعلم أنه صار مراهقا وصار يستمتع بمشاهدة أفلام رومنسية خالصة وأخرى أكثر جرعة أو جرأة .هذا المهم والأهم هو أن يفهم الطفل شيءمن هذه الحياة .وحتى ان سمح لي الوقت الذي لايسمح فلن أبقى يوما كاملا أشرح له .نفسي تختنق وقد فات الوقت لتدارك أي شيء.أنا متعب جدا ولا أجد مزاجا للاهتمام بشيء .كل يوم وأنا اركض لاتمام الأعمال وشراء مايلزم للبيت وللأولاد ولا أجد نصف ساعة هادئة .يالها من حياة بغيضة .كنت أفكر في نفسي وأنا مستلقي كالمخمور وفي حالتي التي تبعث على الشفقة .مع أن كثيرين يعتقدون أنني أعيش حياة البذخ فأنا لدي عمل وسيارة وبيت .لكن الحقيقة أنني متعب بما يملكني .

بكيت وأنا على الأريكة ولم يشعر بي أحد بكيت كالفقير الذي لايجد قوتا .بحرقة مبالغة لأنني شعرت بانجرافي نحو هوة سحيقة .نسيت عائلتي ونسيت سعادتي ونسيت نفسي .ربما ظلمت نفسي كثيرا حتى تعودت الظلم فلم تعد تشتكي.صارت عودتي للرشد شبه مستحيلة .رشد الحياة الهادئة والبسيطة .دفعت بنفسي داخل حلبة ممتلئة بالناس يتصارعون لأجل أن يكسبوا ووجدتني أملك مثلهم ولا أحيا .كنت ميتا في الأثناء ولكني أنظر .

دخلت زوجتي ووجدتني شبه نائم ،تفطنت لحركتها وهي تعبر قربي .خاطبتني كعادتها ببرود ساخر:منهك !متعب!لاتجهد نفسك واستدركت :أني قالت لي :لاتجهد نفسك لأنك حامل .

تمتمت قائلا :أمك محقة أنا أيضا حامل بوساوس قاتلة قتلتني ولازالت ،اذهبي لابنك واطرديه من أمام التلفاز ،لقد ضاع منا .

ضحكت وهي تمرر خطاها كراقصة وقالت:ضعنا جميعا ياعزيزي ،انهض لتتناول الغداء وتذهب لابنتك في المعهد لتجلبها .

ومضت ..!

لم أرغب بالنهوض ولم أرغب في الذهاب لابننتي ولم أرغب في الحديث ،ندمت على كل الكلام الذي قلته للتو .لكن مع كل هذا نهضت وتناولت الفطور ومازحت زوجتي بركاكة معتادة وذهبت .وأنا في طريقي المعهد الذي تدرس به ٱية لم أعرف الطريق .لم أفهم مالذي يربطني بنفس الطريق .لكني أنا أرى ابنتي  أمامه وهي تلوح بيدها الظريفة كعون مرور .حسنا هي لاتعلم أنني أب مخذول لكنها تراني سيدا وجيها بين رفاقها .وربما تفتخر بي وتسعد بقدومي .

عدت معها وهي تحدثني عن الدروس وأنا فقط أقول نعم وانظر للطريق.

هذا الطريق يعرفني أكثر مما اعرفه .صار اكتشاف أمر جديد في حياتي مصدر خوف كبير لأنه ربما يقتلني .