حرفها خطير جدا...

عندما يتقافز بين الحروف ! تماما كفراشة جميلة مزدهية بألوانها استقرت على تويج زهرة بين فراشات أتين لإكمال اللوحة فيبدو أكثر خطرا من كل حروف اللغة..

لو وضعته في أول الكلمة..فسوف تضطر أن تبحث عن تلك الكلمات التي تبتدئ به.. جرب أن تضعه في أوسط الكلمة..هنا ستحصل على فلسفة المعنى!

لطالما لم أجد جوابا يرضيني من بين عدد المرات الكثيرة التي قمت بها من رص الإجابات باحثا عن حرف غيره..فكان هو الأمثل..

تلك الغريبة..الصمت يكتبها واقرأه وردا على عجل ..دمعا على مهل ..لا معنى لأغنية..والارتعاش هو يباس البوح في المقل ..فلا مرآة تظهره !!..في شخصيتها ذات الأبعاد اللامتناهية , امرأة جديدة لكل يوم..

تلك الغريبة.. كغربة أيامي تبدو أكثر سحرا وعنفوانا عندما تختزل كل الحروف الأبجدية في حرف واحد لا نقطة فيه أراها كأنها الشمس و هذا الحرف يستدير كالقمر في أول الشهر و ربما في آخر جرح !

أي إرباك..أي زعزعة تكتنف أرواحنا وأقلامنا, نحن الجيل المغروز من التيه , جيل اللاحلم..جيل ما بعد المحكومين بالأمل !!.. جيل يكاد ينخلع من اللب وربما من الإطار أيضا, جيل منعزل واعزل..بعد إن طال الغبش!! ..

هذه الغريبة.. لشاعر مغرور يريد أن يلقي عليها شيئا من غروره و شيئا من حزنه !! لن تستمع له و هي تعبث بأظافرها لتغزل الحرير في ثوب الكتابة ! بل ستنصت باهتمام و ربما ستعترض و ربما تصفق وربما تفرح لفرحه أو تحزن لحزنه !..

انهمرت بينهما الذاكرة وفاضت..انغمرت بين ذراعيه وهمست: كن وطنا..حين يضيق الوطن!! ضمها بقوة وهمس: كوني حياة ..عندما تضيق الحياة!!..

تلك الغريبة..عندما يكون قلبها حديد ونار , يصبح معجونا بالحب والعاطفة..بسطوة العشق وابتهال الصلاة..كل شيء من حولها صامت جامد, هناك في ذلك البعد حيث لا مكان ..لا مخلوقات ..لا شيء..تنتظر ذلك المجهول ..وكل شيء إلى يباب ..كل شيء إلى اغتراب..كل شيء إلى رماد!!

هذه الغريبة..من ينجيها من سيف الذكريات, هي لغة السؤال ..تنتظر أن يمنحها لغة الجواب.أن يمنحها لغة الكتب والطور والكلمات.. تنتظر أن يقرأها من الغلاف إلى الغلاف؟

حسنا رغما عن حشرجات صدرها هاهي تبوح !

هربت كثيرا من هذا البوح .. هربت كثيرا من همهمات الأسئلة و استفزاعها بمدى.. لكنها ظلت جريئة و حادة و مستعدة لتفجير نفسها و شراء حياتها بموتة تحت علامة ممدودة منحنية أخيرة ,تحتها نقطة تتلون بلون الدم المنثور في ليلة حالكة..!

أيتها الغريبة..كم أبتسم الآن و أنا أغزل الحروف و أمهل الخيط كي يتدلى ثم أسحبه ليعانق الآخر و أبدا من جديد في لي خيط آخر و سحبه إلى آخر عقدة في بوح .. ! أحيانا أطيل سفر ذلك الحرف وأمده طويلا كآهة ثم أفاجأه باعتسافة قوية و أرسم وردة بثلاث عقد بعد أن كنت أريد أن أرسم مستقيما طويلا ينتهي بأمل ! أبتسم لأني تخيلت منذ البدء أني يوما سأعيد حياكة الحكاية ! ..سأكتب من جديد !

"ما بين الحب والسخرية خيط دقيق بألوان قزح.كنت أمرره ما بين الحروف فيلتقطه ذلك الحرف.."

كان عليها أن تفتح نوافذها ..تدير ظهرها لليلها الحالك , وتتكئ على مشارف الفرح العتيق!!..

أيتها الغريبة..كان علي أن اصنع وطني الصغير في غربتي, فالناس على اختلاف أوطانهم وتشابه لغتهم هكذا يفعلون!! فالحب صدفة تهبها لنا الحياة؟!! فهل من المعقول أن تكون الصدف بلا سبب؟وهل من المعقول أن تكون الأحداث الغير اعتيادية التي تمر علينا في حياتنا دون هدف؟ هل تحدث الصدف لمجرد أنها تحدث, أم نحن من جعلها صدفة , لأننا أحسسنا باختلافها ..بالتأثير علينا عقليا وقلبيا ونفسيا حتى لو كانت أمرا عاديا واردا حدوثه؟! ..

هل صحيح أن الانفصال هو الأمر الطبيعي, وان اللقاء هو المعجزة؟!..

افترقنا قليلا لنلتقي ثانية, كان هذا الفراق الصغير تجربة موت استثنائية لطعم الموت!! ثمة لحظات فيها محن وبلايا لا نستطيع تجنبها لكنها موجودة لسبب ما , ولا نستطيع أن نعرف السبب قبل أو إثناء المحن..فقط عندما نتغلب عليها, سنفهم لماذا كانت موجودة!!

أيتها الغريبة, لا بد أن نقطن عالم الالتقاء بين الواقع الحلم, فكل منهما لا يستطيع الهروب من الآخر..فان غاب آخر يوم في خريف القلب, سندخل في سبات عميق لشتاء عاطفي, مقتاتين بدسم الذكرى ومخزون الأمل..الذي ما فتئنا كحيوانات القطب الشمالي نجمعه تحسبا لمواسم البؤس الجليدية..

ذات جليد لن يسعفنا اختباؤنا تحت الفرو السميك للأمنيات! ..

أيتها الغريبة,هل صحيح أن كلمة الاشتياق تلك لا معنى لها؟وان السنين والظروف تغير المشاعر والمفاهيم والأشياء؟ هل صحيح أننا والسنين والغياب , الذين نعطي للمفردات والأجوبة معانيها وقيمتها..بقاءها أو زوالها؟ ..

دائما هكذا هو آخر الكلام..ودائما تتباعد اللقاءات.كلانا ينسحب إلى سكون أو ضجيج..كل يتأبط لغته..ينثرها على رصيف ما, في شارع ما..ثم يختفي في زمنه الخاص!!..

كلانا, لن يكون معنيا بالفصول..ستمر علينا كلها في يوم واحد!! فلماذا نجعل حياتنا بين رحيلين..رحلة ربيع بين خريفين؟!!..

"خزائن الذاكرة تشرع أبوابها , ويضيع الزمن..فيخيل لي لوهلة أن الحاضر حلم كله"

هل سنموت دهرا والشمس ستزاور عنا ذات الجروح و إذا غربت ستقرضنا ذات النشيج و قلبينا باسطا نزفيهما.. ثم نبعث الروح في الورق و الحبر فيكونا أشد تمنعا...ساعة أجل سنبعث الغد لكي يذهب إلى الحياة فينظر أيها أزكى حلما ليأتينا به !

ماهر باكير