وكنتُ في العُطلة أتَعانَدُ مع ابنِ العَمِّ في القِيام بشؤون زريبةِ الجَدة، التي كانت تنقُدُنا عنها أجرَ دِرهَمَين، إن كَنس هو الرَّوث فأنا أجول على الأعشاش أجمع منها البيض، وإن سبَقني هو إلى الأعشاش يجمعُ منها البيض فإني ألعَبُ بالمِجرفة حتى يأتيَ ويكنُسَ الرَّوث، مرة أستقي له الماء ليسقيَ الأرانِب، وأخرى أقبض له الحبل حتى يُطهِّر للبقرة مما علق لها بين الأظلاف.

وكان الديكُ البَلَدي مع الحبشِيِّ كلٌّ مع إناثِه في خُمَّينِ معزوليْن بِسِياج، وما يزال هذا يُناوِئ ذاك في مضجعه من وراء سِياجِه أنه كاسِرٌ عظامه ما إن فُلِتَ إليه، ويرُدُّ عليه ذاك بأنه ناتِفٌ أرياشَه نتفا إن اُخلِيَ بينهما، ويُعاوِدُ الآخرُ بأن يُجيبَه بأنَّ ما النَّفَسُ الذي لا يزالُ يجري في صدره إلا حسنة من حسناتِ هذا السِّياج الذي يردعُهُ عنه، ولا يُخفى على من خبُر من هذا الفنِّ أنه لا قِيامَ لذكريْن بين إناثه إلا قيام ذكرٍ واحِد.

وإننا في يومٍ فيما نحنُ فيه حتى قال لي ابنُ العم أترى إن نزعنا هذا الذي يحولُ بين هذين الذَّكَريْن أن يلتقِيا، فمَن عِندَكَ آخِذٌ بناصِيَة الآخر ؟!

فقلَّبتُ فيهما الطَّرف مُصعِّدا مُصوِّبا، وأنت ترى الديك الحبشي في أتمِّ العُدة، لا يكادُ يُرى منه سوى الرأس وراء الأسلِحة، رمى جلدة أنفه العجيبة جانِب منقاره بعدَ أن أشهَرَهُ صنيعَ الفارِسِ بغِمدِ سيفه جانب خاصِرتِه بعد أن جرَّدَه، عَقَص قوادِم جناحيْه حتى تجلى بينهُما صدرُه، فسحب الهواءَ إليه حتى وقَف به في صدرَيْن، أفرَدَ ذنَبَه وراءه كما يفعلُ الرجل بكَفِّه إن ابتغى لها أن يحجُب عنه قُرصَ الشَّمس، لا يُحرِّك أحد فخِذيه حتى تترَجْرج منه النواصِل ترَجرُج العبدِ المُحمَّل بالأسِنَّة والقُضُب.

ثم إلى الديكِ البلدي فإذا ذلك الضئيل غائرٌ في الريش، مُختَفٍ في العظم، مُفتَقَدٌ بين جوانِحِه، مَطمور المخالِب، بخسُ الكُتلة، مغشوش المِنقار، يظهر فيه الذَّنب أكثر مما يظهر فيه الديك، فإذا أنا لامِحٌ ابن العم قائلا ما لهذا الهَفَّاف الضيِّق أن يظفر بذلك الوثيرِ الفخم إلا أن تكون منخوبا مأفونا، فردَّ ألك في ذلك رِهان، قلتُ فإني مُراهِنُك، قال إلا أن تُخبِرَ الجدة، قُلتُ لك عندي ألا يَصِلَها مني خبر، قال خمسة دراهم، قلتُ بل عشرة التي عندي ، قال ادفعها لمريم – ابنة عم منحازة لأخيها- فدفعنا إليها العشرون درهما، فقبضنا إلينا باب الزريبة، ثم أنَحْنا ما يفصُل بين الخُمَّين، فالتقى بعدها المُلتقِيان، فالتحَما عندها يتخاصمان.

تعلَّمتُ أن الجدَّ غير الهزل، وأن الاستعراض عنصُر من عناصر الهَزل، والكُمون عنصر من عناصر الجد، تعلمتُ من هفوات المظهر الاتِّقاء، ومن غرائب الجوهر الارتِكان، وأنَّ للضعفِ ألسُنٌ منها التَّبَجُّح، وللقوة ألسنٌ منها الكِتمان.

وما تذكَّرت سواقِط ما كان بين الديكيْن، إلا أنني أتذكر كيف أنَّني فَزِعتُ إلى عصا أردَءُ بها أحد الديكيْن عن الآخر، وكُنتُ فيها إلى إنقاد العشرة دراهم من محفظة ابن العم أقرب مني إلى إنقاد الديك الحبشي من مناقِر البلدي، وما كدتُ أفرغ من هذه حتى تفاجأتُ بالصبي طار بما حمَل، فتقاذفتُ إلى والدي حتى ملأتُ عليه حِجرَه بعد أن استَدنَيتُ المدامِع مُلَحِّنا : يا أبتي وقد غَلَبني ابن عمي عن ما وهبتَنيهُ في صباحِك، فلما استوضَح أوقفته ابنة العم على جملة الخبر فقال : ثكِلتُك ! وإنك لم تُجاوِز النصف متر بعدُ واستأنَفتَها قِمارً ، ففُعِل بي ما لم يُفعَل بالديك الحبشي .