عصر الثورة الرقمية

لقد أتاح الإنترنت لسكان المعمورة إمكانية الاتصال الفوري كما أحدث ثورةً في مجال التواصل وتبادل المعلومات. يذكر أن عدد مستخدمي الشبكة العنكبوتية تجاوز حاجز ال4 مليار في عام 2018، ما يعادل أكثر من نصف سكان الكوكب. ولا يخفى ما للإنترنت من تأثير إيجابي في المجتمع على أكثر من صعيد، فبفضله صار التواصل فيما بيننا أكثر يسراً، وكذلك صار بمقدورنا تناقل المعلومات في شتى أنواع المعارف التي تهمنا وبشكل فعال: بدءً من علاج الأمراض وليس انتهاءً بحملات الإغاثة في أوقات الكوارث.

بيد أن للإنترنت جانب مظلم، إذ من شأن تمكين الفرد من الانفتاح على طيف واسع من الناس أن يحدث تغييراً في قدرته على التعاطي مع الشأن العام، عدا عن التغيير الذي تحدثه وسائل التواصل الاجتماعي في قدرة الفرد على التواصل مع محيطه، وكذلك توفيرها أرضيةً خصبةً لتداول رسائل الكراهية والتحريض على العنف على نطاق واسع وبطرق غير مسبوقة. من خلال انشاء ومشاركة المحتوى.

سلبيات منصات التواصل الاجتماعي

يتحدث 3.19 مليار مستخدماً ويتفاعلون فيما بينهم عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي. ولما كان النموذج التجاري لأغلب شبكات التواصل الاجتماعي مبني بالأساس على القدرة على جذب الانتباه، ولأن الخطاب المسيء كثيراً ما يحقق هذا الغرض، فلقد وجد هذا الخطاب خير صدًى في تلك الشبكات، الأمر الذي لم يكن ليحدث في ظل وسائل الإعلام التقليدية. وبالنظر لتنامي مشكلة الخطاب المسيء على شبكة الإنترنت، فإن العديد من البلدان تتساأل حول ما إذا كان ينبغي عليها تقنين خطاب مواطنيها في العالم الافتراضي، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يتسنى لها أن تسن التشريعات اللازمة للحد من هذه التجاوزات.

خطاب الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي ليس حرية تعبير

يستدعي الحد من خطاب الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي في الفضاء الألكتروني وضع حد فاصل بين خطاب الكراهية وحرية التعبير المكفولة بموجب دساتير معظم بلدان العالم والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان. غير أن حرية التعبير ليست محمية بما يكفي في العديد من البلدان. ومن بين المخاطر المترتبة على الحد من خطاب الكراهية على شبكة الإنترنت أنه سوف يتحول إلى وسيلة تشدد بموجبها الأنظمة القمعية قبضتها على مواطنيها. من الأهمية بمكان أن تكوّن البلدان الملتزمة بحرية التعبير فهماً مشتركاً للسبب الذي يجعل حرية التعبير مهمة.

ووفقاً لO’Regan وTheil فإننا نثمن أهمية حرية التعبير تبعاً لثلاث دوافع: الأول ذو بعد إنساني، فقدرتنا على التعبير عما يدور في أذهاننا هي جزء لا يتجزأ من كوننا بشراً أحراراً مستقلين. والثاني ذو بعد ديمقراطي، حيث تمكننا قدرتنا على التحدث عن السياسة والسياسيين بحرية من إيصال من في السلطة إلى مراكزهم ومن ثم محاسبتهم حساب الند للند. والثالث يتصل بالبحث عن الحقيقة، حيث يمكننا أن ندحض الادعاءات الكاذبة. ومثلما نحتاج إلى فهم الأسباب التي تدفعنا لتثمين حرية التعبير،

إلى ماذا يؤدي خطاب الكراهية؟

إن علينا كذلك أن نفهم لماذا يتوجب علينا الحيلولة دون شيوع خطاب الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي . فخطاب الكراهية من المحتمل أن يؤدي إلى إلحاق ضرراً فعلياً بالأشخاص والفئات المستهدفة، لذا فإن الخطاب الذي يحرض على العنف ضد أشخاص من عرق بعينه أو ميل جنسي أو هوية جنسانية، على سبيل المثال، يعتبر محظوراً في معظم البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية. كما تتفق العديد من البلدان على أن خطاب الكراهية الذي يستهدف الحط من قدر مجموعات بشرية بعينها لا بد وأن يكون محظوراً هو الآخر؛ لأنه يقوض من المكانة الاجتماعية لهؤلاء كونهم أعضاء أحرار ومتساوون في المجتمع. وتحظر العديد من البلدان، ولكن ليس من ضمنها الولايات المتحدة، هكذا أنواع من خطاب الكراهية. إن حرية التعبير وخطاب الكراهية من المفاهيم الخلافية، سواء كان ذلك لجهة المعنى أم لجهة سبل التطبيق.

حول نشر المعلومات عبر منصات التواصل

بنقرة واحدة ودون أدنى تفكير بالعواقب، أتاح عصر الإعلام الرقمي إمكانية مشاركة أي كلام أو محتوى عبر الإنترنت. ورغم كون النشر على الإنترنت يحدث بصورة فورية، إلا أن تقنيات الحد من خطاب الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي ما زالت مرهقة وبطيئة في الأعم الأغلب. من جانبها، لا تخلو وسائل الإعلام التقليدية من محررين تتجاوز صلاحياتهم صلاحية المؤلفين، وهؤلاء يعكفون على مراجعة وتحرير النصوص قبل نشرها، ما يعني وجود رقابة حقيقية على خطاب الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي ، الأمر الذي من الواضح أنه لم يعد متوفراً على منصات التواصل الاجتماعي القائمة بالأساس على فكرة النشر بشكل شخصي.

إن السرعة والكم الهائل من المحتوى، فضلاً عن غياب الرقابة التحريرية، جعلت من منصات التواصل الاجتماعي بمثابة تحدٍ للجهات الرقابية. من أجل ذلك يتجه صناع القرار إلى تحميل القائمين على هذه المنصات مسؤولية تنظيم المحتوى المنشور على صفحاتها، وذلك من خلال إلزامها بتوفير آليات فعّالة لتقديم الشكاوى وحذف الخطاب غير القانوني. ويؤخذ على هذا التوجه أن الخطاب القانوني قد يُزال عن طريق الخطأ، أو أن هكذا بيئة ستمنع الأفراد من التعبير عن آرائهم عبر الإنترنت.

عن الولايات القضائية الرئيسية الأربعة

في بعض جوانبها، تختلف السلطة القضائية في الولايات المتحدة عن نظيراتها في باقي بقاع العالم. إذ ‘يحظر التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة على الحكومة والسلطات العامة تقييد حرية التعبير. وثمة استثناءات محدودة لخطاب الكراهية، والذي يُفهم بوصفه كلاماً يحتمل أن يفضي للتحريض على عنف وشيك.’ على أن هذا التعديل لا يمنع الجهات الخاصة كمنصات التواصل الاجتماعي من فرض قيودها الخاصة على التعبير.

كما أن هذه المنصات تتمتع بمزيد من الحماية لجهة دعاوى الحق الخاص؛ كونها لا تعد ناشراً أصلياً للمحتوى المنشور على صفحاتها، بدلالة المادة 230 من قانون آداب الإتصالات لسنة 1996. من جانبها، تجرم المملكة المتحدة نشر خطاب الكراهية سواء كان ذلك عبر الإنترنت أو في مجال المطبوعات. حيث ينص كل من قانون الجريمة والإخلال بالنظام، وقانون حماية النظام العام، وقانون الاتصالات الضارة لسنة 1998، وقانون الاتصالات لسنة 2003، على حظر أي خطاب يهدف للازدراء على أساس العرق والأصل الإثني والتوجُّه الديني والميل الجنسي.

وينطوي الكتاب الأبيض الصادر مؤخراً على مقترحات شاملة لتنظيم الإعلام الألكتروني من خلال فرض واجب الرقابة على منصات التواصل الاجتماعي، وإنشاء هيئة تنظيمية لضمان الالتزام بهذا الواجب. إن المجموعة الواسعة من الشركات المشمولة والقائمة اللا متناهية للأضرار عبر الإنترنت، والتي سبق تحديدها في الكتاب الأبيض بغية تنظيمها، جميعها تشكل مصدراً للقلق؛ ذلك أنها تجازف بإثقال كاهل الهيئة التنظيمية وتؤدي إلى إنفاذ الواجب الرقابي بفائض انتقائية.

الاتحاد الأوروبي ودوره في مراقبة المحتوى قبل نشره

من ناحية أخرى، يتبنى الاتحاد الأوروبي دليل التجارة الإلكترونية الذي ينص على منع مراقبة المحتوى قبل نشره على مواقع الإنترنت. ويبحث الاتحاد المزيد من الخيارات بغية تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي. كما أصدر بياناً بصدد معالجة المحتوى غير القانوني على الانترنت بعنوان نحو مسؤولية أكبر عن منصات التواصل الاجتماعي. فضلاً عن انضمامه إلى مدونة قواعد السلوك الرامية لمكافحة المحتوى غير القانوني عبر الإنترنت إلى جانب عمالقة التواصل الاجتماعي. وتلتزم الأطراف الموقعة على هذه المدونة بإزالة أي محتوى غير قانوني في غضون 24 ساعة.

وبغية إيجاد آليات لإدارة الشكاوى تعمل بسرعة وشفافية وفعالية، يفرض القانون الألماني للنفاذ للشبكات الألكترونية الذي جرى إقراره منذ أكثر من عامين التزامات معينة على منصات التواصل الاجتماعي. وحيثما يتم تحديد محتوى غير قانوني، بحسب نص القانون الجنائي الألماني، يجب إزالته أو حظره في غضون موعد نهائي محدد. ويتوقف هذا الموعد على ما إذا كان المحتوى غير قانوني بشكل سافر، أو ببساطة غير مشروع، وما إذا كانت منصة التواصل الاجتماعي تلك تتعاون مع هيئة للرقابة الذاتية معترف بها. ويمكن إصدار غرامات تصل إلى 50 مليون يورو بسبب عيوب تنظيمية في نظام إدارة الشكاوى، بما في ذلك عدم الوفاء بالمواعيد النهائية لطلبات الحذف على نحو مستمر، وتجاهل الإبلاغات ومتطلبات الشفافية.

التوجه المستقبلي

على الصعيد السياسي، يشكل الحد من خطاب الكراهية عبر الإنترنت تحدياً كبيراً للجهات الرسمية. حيث يتعين على صناع القرار ضمان عدم المساس بحرية التعبير بدعوى تنظيم الخطاب عبر منصات التواصل الاجتماعي. ونظراً لكون المشكلة معقدة، فإن المراقبة الدقيقة للمبادرات التشريعية الجديدة في مختلف أنحاء العالم ضرورية لتقييم ما إذا تم إيجاد توازن يعتد به بين حماية حرية التعبير وحظر خطاب الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي . وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، لا بد أن تتحلى الشركات التي تدير منصات التواصل الاجتماعي بالشفافية بشأن المحتوى الذي تقوم بإزالته، وكذلك إتاحة بياناتها للباحثين وعامة الناس لأغراض التدقيق والمراجعة.