الثامنة مساءً.. أنا وحيدة تمامًا!
يا لسخرية الساعة!
إنها حتى لم تقترب من الثانية عشرة بعد.. وأنا وحيدة، وحيدة وحزينة...

منذ أربعة شهور تقريبًا دلفت إلى طورِ جديدِ من :"لا أحد يفهمني أبدًا. "
كان لدي دائمًا شخصٌ يفهمني بنسبة مُرضية على الأقل، يفهم ما يرنو إليه حديثي ويعطيني الجواب الذي أحتاجه، لذا فقد كنت دائمة الثرثرة، لا يجدّ بيومي جديد إلا قصصته على كل أصدقائي.. لم يكن الكتمان مصطلحًا دارجًا لديّ، حتى في المرات التى حاولت فيها استساغته لم أستطع.
لكن في الشهور الماضية تغيّر كلُ شيء، تغيّرت لدي مفاهيم عديدة، اطلعت على أشياءٍ لم أعرفها قبلاً.. علمت في تلك الشهور الأربعة أن حياتي قبلهن كانت تافهة، خاوية.. وأني أضعت عُمري في العبث، وحزنت كثيرًا أني لما أصل لتلك المنطقة من المعرفة إلا بعد كل تلك السنين.. وحمدت الله كثيرًا أني أخيرًا وصلت!
ثم عقدت العزم على إكمال المشوار لنهايته، باب علم قد فتح.. حرامٌ عليّ إلم أنهل منه قدر استطاعتي تعويضًا عن كل جهلي السابق.
المعضلة هنا: أني قبل مفترق الطرق ذاك كُنت أسير بلا هدف، يمر اليوم كما يمر، لا جديد فيه ولا منفعة تذكر.. ولمّا كان المرء على دين خليله، فقد كان كل من حولي كذلك.. ثم بعد أن تغيّرت المفاهيم لديّ لم أعد أجد فيمن حولي شخصًا يشبهني، يفهمني! تبدّلت همومي وما عاد بوسع الأصدقاء القدامى احتواؤها.
عبثًا حاولت يومًا أن أقص على إحداهن مشكلةً ما، تناولتها من جانبٍ مختلفٍ تمامًا عن الجانب الذي أقصده، لم أهتم بإصلاح زواية الرؤية لديها.. ما كانت لتفهم.. فصمت!
ومن يومها وأنا صامتة...

الثامنة والربع مساءًا.. أنا وحيدة، وحيدة وحزينة، حزينة ولا أقوى على إفراغ حزني.

قال:"لا تهزني فأنا ممتلئٌ بالدموع. "، وأقول:"هزني فأنا ممتلئُ بالكلمات.. علّها تخرج. "
بداخلي بحرٌ من الكلمات لا أعرف كيف أسكبه.. حتى أني بِت أُحاكي أشخاصًا خياليين، أحلام اليقظة تمد أذرعها في يومي كالإخطبوط.. أهرب إليها من واقعي، وأهرب إلى واقعي منها، فيصدمني ببؤسه لأعود إليها في نهاية اليوم بكامل إرادتي.

الثامنة والثلث مساءًا.. أنا يائسة!

ماذا إن تكالبت أحلام المرء عليه فأردته صريعًا؟
أظن أن أحلامي تقتلني!
كل حلمٍ أسعى إليه وأخفق يخنقني، كل إخفاق يخلّف بداخلي أثرًا كئيبًا يدوم لعدة أيام..
رغم معرفتي أن الإخفاق لا يعني نهاية الطريق، وأن على المرء أن يثابر من أجل بلوغ هدفه، وأن يتخطى كل عقبة جديدة تظهر له، أن ينهض كلما سقط وأن يواصل السعي زحفًا إن أعياه الركض.. وأن سيروا إلى الله عرجى ، وأن أفضل العمل أدومه وإن قل، وأن سعيه سوف يرى... وأن وأن وأن...
رغم علمي بكل ذلك وتشدقي به دائمًا في وجه فاقدي الأمل.. إلا أني فشلت دومًا في التسلح به لمواجهة صعوباتي الخاصة.. أنا -ورغم اسمي – أفشل دومًا في الجهاد حق الجهاد، ما أن تواجهني عقبة ما حتى أتقوقع أمامها باكية لعدة أيام قد تتجاوز الأسبوع.. أنهض في النهاية، وأتخطاها.. لكنّي أنهض متأخرة جدًا جدًا.. أنهض بعد إدراك ألا مفر من تخطيها والمواصلة... لذا أنا بطيئة للغاية، كالحلزون، ولم تفدني حدة الذكاء وسرعة البديهة في حل معضلة "التقوقع" خاصتي شيئًا.

الثامنة والنصف مساءًا...

أنا متعبة يا الله، أعياني السير وحدي، أنهكني الصمت وقلة الحيلة.. متعبة.. وأود لو استطاع احدهم أن يحمل عني رداء القوة، وللمرة الأولى أظهر بضعفي الكامل أمام شخص يجيد التعامل معه دون أن يشعرني أنه عيب، أن يعطني أحدهم المساحة الكافية لأبكي عوضًا عن كل تلك المرات التي لم أبك فيها.. دون أن يأمرني بالتوقف عن البكاء.. أن يخبرني أنني حين أضعف فلا ضير، سيكون موجودًا لمساندتي حتى أستعيد قواي.. أن يعينني على إصلاح كل المعضلات التي فشلت في إصلاحها وحدي.. أن يظل بالجوار.. دائمًا!
أنا متعبة، كرهت السير وحدي، هلا أرسلت لي رفيقًا؟