الصفعةُ الأولى التي نتلقاها من الحياة نظنها حادثًا عارضًا لن يتكرر، الصفعة الثانية نعتبرها خطأ غير مقصود –وإن ارتبنا-، وما إن نُصفع للمرة الثالثة حتى تتحول ريبتنا إلى تساؤلات وتحليلات: الصفعة الأولى كانت لإنّا ظننا بالناس خيرًا، الصفعة الثانية كانت لإنّا وثقنا بمن لا يستحقون الثقة، والصفعة الثالثة كانت معاقبةً لنا على تهاوننا في شأن الصفعة الأولى، وأنّا لم نعبئ لها بل وأدرنا للحياة جانب وجهنا الأخر لتصفعنا مرة أخرى. 

وصولنا إلى تلك النقطة يحثنا على أن نبرم اتفاقًا مع أنفسنا أنّا لن نسمح للحياة أن تصفعنا مجددًا، وأنّا سنقف لها بالمرصاد ولن نكرر أخطاء الصفعات السابقة.

حين نتلقى الصفعة الرابعة ندرك أن ثغراتنا كُثر، وأنّ الحياة تختار أدق الثغرات وأضعفها بعناية، تختار ثغرات لم ننتبه لوجودها بالأساس!

بورقة وقلم، سؤال وجواب، نتوصل إلى نتيجة أن الحياة تصفعنا لأنّا مازلنا على الفطرة.

اتفاقية أخرى تقضي بأن تلك الفطرة عليها أن تتغير.

هنا تتغير مجريات الأمور كلها، لا تتوقف الصفعات مطلقًا ولكنّا بعد كل صفعة نحلل مسبباتها ونقضي عليها.

قضينا على الثقة المفرطة، قضينا عليها حتى بِتنا لا نثق مطلقًا.

ثم قضينا على الظن الخيّر وافتراض حسن النية، وغلّبنا سوء النية على ظننا بالجميع.

قضينا على تمسّكنا بمن لا يستحق، ثم قضينا على التمسّك بالمجمل كي لا يباغتنا فراق أحدهم كصفعة جديدة..

كان ما يزال لدينا لين قلبٍ يدفعنا للتمسك بالأحبة وإن افترقنا عشرات المرات..قضينا عليه وفارقنا الأحبة كلهم بملئ إرادتنا.

وهكذا..نُصفع، ندرك الثغرة الجديدة، نسدّها بألف باب.

يمرُ الوقت وتتوقف الصفعات، تتوقف لفترة طويلة فنظنّ أن الحياة تأخذ هدنة وستباغتنا بصفعة أشد من سابقيها، ولكن تمر فترة أطول..يوم يعقبه يوم لا صفعة جديدة ولا درس ولا ألم.

ربحنا؟ هل يعقل؟ أربحنا حربنا مع الحياة وسددنا ثغراتنا كلها ولن نُصفع مجددًا؟

نتوقف عن الركض، ننتشل أيادينا من بحثها عن ثغرات خفية، نلتقط الأنفاس، ونحتفل أنّا أخيرًا هزمناها..

لكن هيهات، هنا، وعند تلك النقطة بالتحديد..نتلقى الصفعة الأشد، الصفعة التى لن نقوى على سد ثغرتها او القضاء على مسبباتها..

هنا ندرك أنّا في معركتنا مع الحياة خسرنا فطرتنا، خسرنا أنفسنا، خسرنا كل شئ!

---

لِمن مازالت حروبهم قائمة منتهجين نفس النهج: الحياة لا تُغلب أبدًا بمثل هذه الطريقة، ربما هي لن تُغلب مطلقًا.. على الأرجح سنظل نخسر أمامها في كل جولة.. لكن خسارات خفيفة أيسر وأهون على الروح من خسارة فادحة لا تُعوّض.

الذين خسروا فطرتهم ودّوا لو عادوا لأول صفعة مجددًا، وتلقوا الصفعات التي تليها بصدر رحب، دون محاولة للتغلّب على قوانين الطبيعية بحيل ستهلكنا نحن وتبقى قوانين الطبيعة قائمة.

في معركتك مع الحياة..لا يُهم أن تحمي روحك من الصفعات.. فالصفعات –على كلٍ- ستتلقاها لا مفر، الأهم أن تحمي فطرتك من أن تُدّنث على أيدي من خسروا فطرتهم قبلك.

ولا حول ولا قوة إلا بالله.