سرت على امتداد الطريق الرئيسي في قريتنا، تحت شمس حزيران الرهيب التي ألهبت رأسي.. أترنح ممسكاً بأكياس مملوءة بحاجياتنا في كلتا يدي.. أرفع رأسي الذي ظلَّ محنيًّا طول الطريق.. لا أرى إلا الغبش أمامي.. أنزل الأكياس على الأرض ببطء، وأخلع نظاراتي لمسحها، أرتديها فأكتشف بأنَّ الغبش قد زاد!

أعيد حمل الأكياس وأسير.. فيتبعني صديقي مارون، حاملاً أكياسه التي اشتريناها معاً أيضاً..

مارون يتحدث عن لينا يقول أنها أجمل بنت في القرية.. أشعر بالدوار بسبب الشمس التي صبت قارَّ غضبها علينا اليوم.. يخبرني مارون عن كونها تستمر بالنظر إليه، بل وأنها تبتسم له دوماً.. فأشعر بأن الدم سيسيل من أنفي، أرفع رأسي مجابهةً للدم القادم.. فيفصح لي مارون عن الشيء الذي يلمح منذ الصباح، عن إحتمالية كون لينا تحبه!

أوافق بأنها قد تكون أجمل بنت في القرية، ولا أعلق على النصف الثاني من الحديث، لا أخبره بأن ذلك مستحيل فهي ربما تراه كمجرد شاب رث الهيئة، بدين وممتلئ بالشحوم، البثور تملأ وجهه مما يبديه سيئاً

"لا تعطي نفسك أملا زائفاً" قلت له "حتى أنا شعرت ذات مرة بأنها تحبني!"

أطلب من مارون أن نسرع وإلا سيوبخني والدي.. سينعتني بالبطيء.. يضحك مارون.. نهرول إلى المنزل، أقف عند عتبة بابنا، ويكمل مارون طريقه إلى آخر الشارع!

مرت سنة على صداقتنا.. أنا صاحب العلاقات السيئة والمتوترة دائماً، لم أحصل على صديق إلا منذ سنة.. حين كنا في السابعة عشر.. 

في مدرستنا كانوا يلقبوننا بالبدين والناحل.. مارون يرى الأمر طريفٌ جداً، ومكررٌ في البرامج التلفازية.. البدين والهزيل.. يمشي هو ممتلئاً ببعض الدهون، وأنا إلى جانبه.. هزيلاً رقيقاً، محنيَّ الأكتاف والرقبة..

بالنسبة لي لا يبدو الأمر طريفاً جداً..بل مأساوياً!

أخبرني مروان ذات لقاء أنَّه كان يراني غريب أطوار قبل أن أصبح صديقه.. أخبرني أن لدي عادة سيئة وهي أنّي أضخم الأمور التافهة دائماً.. أفكر كثيراً وأقوم بحسابات لا داعي لها!

رددت هذا بيني وبين نفسي في أحايين كثيرة، لكن ولسببٍ ما، حزنتُ من مارون لما أخبرني بهذا، لم أقل له ولكنّي حزنت!

بإمكانك أن تخبر نفسك دائماً بصفة معينة لا تحبها، ولما يخبرك به شخص آخر فإنك ستشتاط غضباً وستحزن!

أضع الحاجيات في المطبخ، وأصعد إلى غرفتي.. فأرى اللوحة التي رسمتها ليلة البارحة.. أرفعها

"لا تزال جميلةً جداً!"

من عاداتي أني لا أرسم إلا بعد الغروب، لا يتسيقظ إلهامي إلا في ذلك الوقت، لدي ما يربو على عشرين لوحة رسمتها آنذاك، ألقي عليها نظرة أخيرة وفي الصباح أحدد إذا ما كانت جميلةً أم لا! وتلك التي أنهيتها ليلة البارحة، اكتشفت صباح اليوم أنها من أجمل ما يكون!

تلاشت فرحتي شيئاً فشيئاً.. استلقيت على السرير وفكرت.. والدي لا يستسيغ فكرة أنِّي أود أن أصبح رساماً.. لا يحبُ كوني أرسم، يراها تفاهة ومضيعة للوقت! هذا أكبر سبب لرفضه دخولي كلية الفنون، بل ماذا لو تغلبت مصاريفها على فقرنا وكان مآلي العمل مع والدي في دكانه، دون أن أحقق أياً من أحلامي!

تذكرت مارون حين أخبرني أنّي عميق التفكير، وأقوم بحسابات لا داعيَّ لها.. ضحكت!

شقت أمي باب الغرفة.. التفت إليها، على وجهها بشارة ما، استفسرتها.. فأجابت!

ركضت فَرِحَاً خارج المنزل "وافيني في المقهى!" قال لي مارون حين أجبت على اتصاله "لدي خبر سيفاجئك!" علل إتصاله

"وأنا أيضاً!" قلت

على الطريق لم أفكر ماهية مفاجأة مارون، فكرتُ فقط بالخبر الذي سأزُفه إليه!

"ما خبرك؟" سألته حين وصلت

-بل أنت ما خبرك؟

-والدي يقول إن كنتَ ستصبح رساماً فلتفعل، وإن كنت تريد أن ترتاد كلية الفنون فسأعمل على توفير المبلغ المطلوب ولا أبالي! كما أنك ستعمل معي في الدكان أيام العطل.. تخيلَ! " قلت له "حكى عن كل ما في خاطري!"

-رائع، ستصبح رساماً!

خف حماسي قليلاً مما ساعدني على أنصت له، "لم تخبرني عن مفاجأتك؟" قلت له

"اعترفت لينا بحبها لي اليوم!" أجابني