أنا هُنا.. في مكان حيثُ لا يكون بإمكانك أن تبتعد عنّه وعن ذاتك ولو قليلًا.. وبطريقة ما لا يكون بإمكان كل من هنا فعلُ هذا

 ليس بإمكانك مثلًا أن تنسى اسمك ففي كل مفرق طريق هناك من سيلوح لك ويصيح باسمك عاليًا، ودون أن يبغي شيئًا بل فقط لأنك مررت بجانبه، ليس بإمكانك أن تضيع أو أن تدعي ذلك، يحفظون الطريق السهل المؤدي إلى بيتك أكثر منك

 الُكل هنا يتعاونون على شدك لتبقى في ذكرى هذا المكان، يسحبونك إلى عمق جذورك ويزرعونك هناك، ما إن يمسك بك أحدهم حتى يروي لك تاريخ عائلتك بأكمله، ويسأل عن أحوالهم ويردد أسمائهم واحدًا واحدًا ويعدهم على أصابعه عدًا ويروي لك عمّا كنت تفعله في طفولتك

 أنت هنا بطريقة ما لا تُنسى - ليس لأنك مهم أو من قبيل هذا بل لأن الأمر هنا يسير على هذه الشاكلة- كما لا تَنسى.. من المستحيل أن تفقد الذاكرة هنا، أن تبتعد عن أحد ما، أو عن ذكرى لا تريد استحضارها بعد الآن، عن موقف لا تريد أن تعيشه.

ولكن أنت سنينك، أعوامك، ملامحك، وذكرياتك ومواقفك وأشياء شتى محفورة هنا في وجوههم، في الطرقات التي تسير فيها، الدكاكين التي تمر بحذاها، كل واحدٍ يشكل جزءًا ما منها، بحيث لا يُترك أي أحد وحيدًا هُنا. 

تنتابك نزوة طائشة تشعرك بلذة الهرب أو النسيان، ذلك الشعور البغيض الذي أوحى لك بأن عليك أن تبتعد، أن تترك هذه الرتابة، هؤلاء الأناس الذين لا يتغيرون، وقريتك التي لا يبدلها الزمن، وكل من فيها يعيشون ذات الحياة.. أنت استنساخٌ لهم 

خطر لك في إحدى الليالي أن دورة الحياة هنا تسير على هذا النمط، تمشي في هذا التكرار وتعود لذاتِ النقطة مُجددًا. أشعرك بالغثيان هذا الدوران في الحيوات. 

ما الخارج؟ تُساءِلُ نفسك. البعيدُ حلمٌ بعيد. ما الذي وراء هذا المكان وما الذي بعده؟ الثبات لن يُغير هذه الذات، ولن يسمو بها، الثبات يوجب الثبات.

إذًا استقرارك يضمن استقرار كل ما حولك، من أهم الأشياء كعلومك ومعارفك حتى أبسطها كملامحك ومحياك الذي لم يعد يتبدل اللهم إلا لماما. والثبات في ذات النقطة يُجبر أيضًا على ثبات الهيئة التي ما إن يعصف بها الترحال حتى يعصف بها التغير بدورها فتأخذ من محيا البلاد التي تعبرها ومن الأوطان التي تنزل بها ومن اللغات التي تسمعها ومن التجارب التي تمر بها، ومن أُناسٍ يجيئون ويروحون، كلما ولى أحدهم أقبل آخر.

في داخلك تحتفظ برغبة كامنة للترحال، للهروب، للإنطلاق إلى الجديد، تطمح للتغيير. وفي ذاتِ الحين تحاول أن تأمن مكر هذا الهرب. فإما ثباتٌ وقد يجلب معه إضمحلال الحياة وإما ترحال قد يحيلك يومًا إلى التشتت.