تحت أحد كرومِ الزيتون وقفتْ.. تلوحُ لها الشمسُ من بعيد، تتدافع أشعتها مع ظلِ الكرم لتبقي جسد العجوز بعضه مشمس والآخرُ في ظلٍ ظليل

التفتت إلى الخيمةِ السَّاكِنةِ في القريبِ إلا مِن هُبوبِ الريحِ الخفيفِ، أسرتْ لنفسها أن لم ينتبه من نومهِ بعد،

حثتْ خُطاها نحو خيمتها.. شدت بابها الصوفي بأصابع مُجعدة ومصبوغة بحناء أحمر باهت وقديم، وفي داخلها أن تستفيقه

راكعةً دخلت إليها، وجاثيةً فوق جسدِ زوجها ظلت لدقائقَ قليلة قبلَ أن تهم بإيقاظهِ، داعبت أولًا أنفها بأنفه قبل أن تطبع شفتيها على شفتيه خالقةً قبلة!

استيقظ الأخير على وقع القبلة شاعرًا برطوبة كثيفة تسبح في وسط الخيمة الضيقة، خرج منها آملًا أن يطرد بخروجه الضيق الذي أكله جراءَ النَّومِ الطويل، تاركًا زوجتهُ العجوز تُمسدُ شرشفه وتجمعُ وسائِده.. هناكَ جلس فورًا على الأرضِ العشبية على بُعد قليل من الخيمة يمسحُ بنظرهِ الأُفُق " لربما كان هذا اليوم الأخيرُ لنا هنا" مد قدميه وهو يُفكر، قبض على العشبِ الطويل بأنامل قدميه.. " وحيدان في خريف العمر!" هكذا قالت الصحفية الشابة التي جاءت البارحة في زيارتها للمُخيم، لتدون قصصهم، قصتهما بالتحديد، هذه القصة التي لا تختلف كثيرًا عن باقي القصص هنا

كانت تقول أشياء ك " وحيدان في خريف العمر" و "حب تحت كروم الزيتون!" و" إخلاص لا يفنى" استعاد العجوز هذه المُفردات ورددها بداخله.. " لا مأوى ولا مُعين" قالت لها زوجته حين سألتها عن سبب عضهم على بعضهم بالنواجذ طيلة كل تلك السنين " لا مأوى ولا معين" أجابتها ولربما قالت " لا أبناءَ ولا مُعيل" لم يعد يذكر

شَعَرَ بيدي زوجته المتعرقة وهي تسحب قدميه من على العشب، لتدلكهما كما كانت تفعل طيلة العشر سنين الأخيرة

" كيف تجتازان وحشة هذا المكان وحدكما؟" سألت الصحفية الثلاثينية البارحة

" نستند على بعضنا، نتكاتف بطريقة ما، الكسر يجبر الكسر.. والنَّاقِص لا يُكملِه إلا ناقِص مثله!" سحب قدميه من بين يدي زوجته " نستند على بعضنا" جال ما قالتهُ في ذهنهِ.. أخبر زوجته برغبته في تدليك قدميها هيَّ اليوم

" نتكاتفُ ونستند.. نُضحي من أجلِ بعضنا" ولكن هل قالت نُضحي؟ هذهِ الكلمة تحديدًا؟ التي حركت شيئًا ما بداخله حين استعادها توًا.. لم يسألها، ضغطَ على ساقها طويلًا جيئةً وذهابًا

" مضى على زواجِنا خمس وثلاثون سنة ورُبما أكثر، في بيتٍ واسعٍ وقديم تركناهُ قبلَ سنين، ستٌ أو ربما أقل، حين اشتد القصف على قريتنا.. انتقلنا من مُخيمٍ إلى آخر، وأحيانًا كُنّا نجلسُ في بيوتٍ أصحابها الآن في المهجر أو المقبرة، لم نكن نعلم!" حكت زوجته هذهِ القصة للكاميرا بتفاصيل كثيرة وبمشاعرٍ فياضة، تساءلَ متى آخر مرة رآها هكذا؟ بهذا التأثر البالغ بعد أن كانت تصدمه بشموخها الذي لم يكن يتزعزع ولا خوفها المُخبأ

كيف لقلوبنا أن توهن هكذا كلما مرَّ عليها الزمن عوضًا عن أن تتشجع أكثر؟

لاحظ طيف دمعة تجول في عينيها بينما كانت تحكي البارحة، دمعةٌ أوجعُ من أن تحبسها العين، وأكبر من أن تستطيع الإنفلات من مقلتها لتخرج.. ظلت عالقة.. عالقة في المُنتصفِ كما كانوا كلهم عالقين في منتصفِ هذه البلاد، في هذا الخراب، لا يدرون أين يرتحلون، هاموا على وجوههم، جميعًا، الفرقُ أنَّ الدمعَ في عينيها لم يكن هائِمًا، كان يعلم أين يستقرُ تمامًا، هناك عالقٌ أبدًا، متشبثٌ بمكانهِ أكثر مما فعلوا هُم.. توقفَ تدليكهُ لقدمي زوجته بطيئًا.. نظرتْ إليه، إلى عينيه، حيثُ لاحَ لها بريقُ دمعة، تلكَ الدموعُ التي لن تنسابَ أبدًا!