تسيرُ الحياة بلا أن تتوقف ولو لهنيهة، أُفكر الآن -لسرعة مرورها- أن أستبدل لفظ " تسير" بِ " تجري"

أستيقظُ صباحًا مُتأخرًا، وألحظُ أنني -وعلى الرغم من تأخري- لم أحصل على القسط الكافي من النَّوم، لا زال النُّعاس يجولُ في عيني، ولو أطلتُ في الرمشِ قليلًا لنمتُ فورًا، أرتدي على عجل، ألمحُ هيأتي على المرآة سريعًا قبل أن أخرج، لا وقت لإطالة النظر، أرى أنّي لم أرتدي ربطة العنق، لا أعود إليها فلم يعد هُناك متسع من الوقت لارتدائها بطريقة خاطئة ثم نزعها وإرتدائها مُجددًا كما أفعلُ صباح كل يوم.. حذائي مُتسخ بعض الشيء بغبار ورمل من سيري في الطرقات، لا أمسحه، أتذكر بطل إحدى الرواياتِ التي قرأتها، كان مُقتنعًا بأن حذائه القديم بعض الشيء والمُغبر، يضفي على مظهره طابعًا كلاسيكيًا، عزيتُ نفسي بهذا الأمر، أُحب الطابع الكلاسيكي.

أخرجُ دون إفطار، لا وقت لهذا.. في الطريقِ إلى العمل لا أسيرُ بتمهل حفاظًا على نفسي، بل لو كان بمقدوري أنّ أسرع أكثر دون أن أُخالف لفعلت. بالنسبة لمديري إنّ حادث مرور يميتك في طريقك إلى العمل، أفضل من وصولك إليه مُتأخرًا

أقطعُ الممر بخفة لا أُبطئ إلا حين أمر من أمام المكاتب، " لاوقت. اعملوا.. لا وقت" اسمعُ رئيسي يُردد جملته المعتادة، أعتقدُ أنني تعلمتها منه، إنَّهُ يملكُ القدرة على أن يقولها في أيّ وقت، إذا ما لمحك تتوقف لتأخذ نفسًا فربما صاح بك "لا وقت!"

أعودُ إلى شقتي مُتمهلًا هذه المرة.. من زجاج نافذة السيارة يتسلل إلى وجنتي شعاعِ شمس غروبٍ باهت، كأنَّهُ يرسلُ وداعهُ إلي قبل المغيب، غمرني بالدفء على الرغم من ضآلته، كانت لحظةً وانقضت، لحظةُ السلام الوحيدة في هذا اليوم، لحظة الهدوء الأولى التي تمرُ بي ولربما استمر غيابها لليومِ التالي.. أشعرتني برضا عن العالمين.

كُلُّ نفسٍ لديها لحظةُ هدوء تمرُ بها في أثناءِ اليوم، سواء كنت وحيدًا أو محفوفًا بالناس، مشغولًا أم فارغًا..

قرأتُ ذات مرة أنَّ الغروب هو الوداع. إنّ الغروب يعني الرحيل ومغيبُ أحدهم.. وأنا لا أزالُ مُتمسكًا بهذه العبارة، آمنتُ بها دون أن أدري، وأضحيت كلما راقبتُ الغروب أتذكرها

أسرع في القيادة، أفكر " انتهى وقتُ التمهل" في الشقة يجب أن أصلح البالوعة التي عطلت مُنذُ يومين. " هل أنهي اليوم وقت تسويفها؟" أتساءل

اتصالٌ من حبيبتي على حينِ فجأة، تذكرت لم أحادثها اليوم، وحين أسرفتُ في التذكر تنبهتُ إلى أنني لم أكلمها منذُ إسبوع اللهم إلا شذرات من رسائل نصية في المحادثة، لا وقت لدي لها!

أجبت، فظلت تصرخُ بي من أول المكالمة إلى آخرها، أو كي لا أظلمها سأقول أنها بدأت الصراخ بعد ربع المكالمة، فلقد سألت عن أحوالي بهدوء أولًا، وأشغالي. أجبتها بِ " مليئة وصولًا إلى رأسي. لا وق.."

" لا وقت!" قالت بهزء.. وتعجبتُ من تخمينها لما سأقول قبل أن أكمله

" لا وقت للحديث، لا وقت للقاء، لا وقت لأي شيء كي تفعله في حياتك، هل تملك وقتًا للخراء؟" نترت بعصبية

لم أعد أعي ما تقول بعد هذا، كنت أركز على الطريق قاطعتني سيارة ما، أردتُ أن ألوح له من النافذة وأطلق سيل الشتائم المعتاد، لكن لم أفعل لقد كانت تشتمني هي على الهاتف

لا أذكر ما تحدثت عنّه تحديدًا، لكن في النّهاية قالت " لا بُد أنَّك تملكُ وقتًا للفراق"

لم يكن هُناك وقت لأجيبها، لقد أنهت المكالمة، ولم تجب. على الرغم من عدد المرات التي اتصلتُ عليها بها. مغيبٌ آخر!

فكرتُ في أنّ أقف لأتأمل البحر، حزينًا ساهمًا، لقد هُجرت اليوم. أنّ أجلس في الطاولة آخر المقهى وأطلب كوبًا من الشاي، لا بل القهوة. تُطلبُ القهوة في حالات كهذه، ولا أشربها لشدة حزني، فأرمي قطع النقود على الطاولة مُعلنًا مغادرتي بعد اكتظاظ المقهى بالزبائن. وعلى الرغم من الشجن الذي يذرع قلبي، لا أنسى وضع " البقشيش" للنادل الذي ظل يراقب حالتي مُشفقًا علي.

لكن لا.. لن أفعل أيًا من هذا، لا وقت لديّ لأحزن، وحسنًا فعلت حبيبتي بتركي، فمن قد تقبل بالبقاء مع شخص لا يملكُ وقتًا البتة، كيف سيجد متسعًا لها هي؟

لحظةُ وصولي إلى الشقة تفوح عليّ رائحة نتنة قادمة من البالوعة في المطبخ التي تبقبق المجاري منذ يومين، أرمي بجسدي على الأريكة تاركًا قدماي تتدلى من عليها كما لو كنتُ جثة. وأسهم في السقف فوقي، دون أن يخطر على بالي شيء، دون أن أُفكر، ورائحة البالوعة لا تزالُ تنسلُ إلى أنفي.

لحظةُ هدوءٍ أُخرى.. لكن هذه المرة لا أشعر بالرضا عن أيّ أحد.. أريدُ أن أبكي.. أن أحزن حتى الغد، أو بشكلٍ أدق أنّ أنهار!

أريدُ أن أتحطم. أن أُنشأ هنا حيز إنهيارات وأمنع أيّ أحد من الإقترابِ منّي.. لم أفعل هذا منذُ زمن، أحتاجُ لتصفية الكثير من الأشياء، أرفعُ نظري إلى الساعة المعلقة على الحائط -كان زجاجها مكسورًا، أذكرُ أنّي رميتُ عليها ذات يوم شيئًا كسرها لشدة كرهي لها وللوقت- كانت تشيرُ إلى منتصفِ الليل.. " هل أملكُ وقتًا لأنهار؟" تساءلت