تسحبُ الكرسي وتجلس بخفة، هدوؤها لم يكن طبيعيًا، ذلك النَّوع من الهدوء الذي يشعرك بكونه مشحون بإحتمالات شتى أن يتبعه بعد حين انفجار يُبدد كل ما خلفته من سكون.. كمن يجلس على كرسي الإستجواب.. كانت، على منضدتها التي ترتبها بنفسها صباح كل يوم، أمامها المرآة التي تلقي عليها نظرة يوميًا قبل أن تخرج، وأحيانًا لساعات طويلة.. لكن لم تكن كل تلك الأشياء كما اعتادتها، لم تكن هي نفسها كما اعتادت أن تكون، لقد عادت بقلب كسير وحزين، وحريّ بكل ما تملكه هُنا أن يحمل مسحة من الحزن الذي يتملكها


لم يكن ذلك الهدوء هدوء من تَوقَّفت حركتُه وزالَ اضْطِرابُه. كان هدوء ما قبل ذلك بكثير، أدركتْ. على حينِ فجأة أنَّهُ لا يزال لديها الكثير لتمر به. ليلة طويلة لتعيشها

نظرت لنفسها كما لو كانت شخصًا آخر يجلس قبالتها، تقوست شفتاها إلى الأسفل، كما يجدر بالمحيا الحزينِ أن يكون، حاولت تبديدها بابتسامة، لكنّها تقوست أكثر خالقةً تكشيرة، " أي وجهٍ هذا الذي تحملينه؟" سألت تلك التي تجلس قبالتها بقسوة، فلم تجب.. لطخت أناملها بالمسحوق البني على المنضدة كعقاب لها على عدم إجابتها وبدأت بدهن وجهها كما لو قد يرسم أي طفل.. قامت بتحديد فكها.. ألقت نظرة على المرآة، وحين اكتشفت أن القبح قد إزداد، التقطت أحمر شفاه وبدأت بتلوين شفاهها.. هذه المرة بدقة، الشفة السفلية ثم العلوية.. عيناها بدأت بالتبلل، لا لن تبكي ، هزت رأسها كما لو أنّها أرادت أن تقذف ذلك التجهم بعيدًا، وضحكت، ابتسمت طويلًا، وأمسكت بمسحوق آخر، تزينت وهي تبتسم، كما كانت ستفعل أي فتاة أخرى، ستخفي ما بدا على وجهها، وتزيفه، كما كان كل شيء زائف حولها، الحُب الذي عاشته، الصداقة التي حملتها معها طيل رحلتها دون أن تدرك كنهها، من الموجع أن تكون الصادق الوحيد في عالم من الزيف

ستختارُ لونًا أحمرًا عقيقيًا، كما كان يُحبه زوجها، لتضعه له، وستضيف بعض من الزينة التي أهدتها إياها صديقتها التي أمسكتها معهُ اليوم، ستتزين وتتزيف، هل تترك الزيف لكل هؤلاء وحدهم؟

استمرت بوضع المساحيق، كل واحد يدل على خيبة ما وغصّة عالقة تكادُ تخنقها. " لم لا يُحبكِ أحد؟" سؤال آخر أطلقته للشابة أمامها بعد صمت طويل دار بينهما، وبالطبع لم تجب. لاحظت بأنّ تنفسها قد ازداد اضطرابًا. صدرها يعلو ويهبط

هل أصعبُ من أن يكون الإنسان.. ذاته، ذاته التي لا يُريدُ أن يكون؟

لم يكن بمقدورها أن توقف نفسها عن ترديد " يا للخيبة!"

وحين لاحظت أن فمها قد تقوس إلى أسفل. على حينِ غفلةٍ منها " لا، ليس هذا ما خططتِ له" حدثت نفسها هذه المرة

التقطت أحمر الشفاه العقيقي ذاته، وبدأت برأسم شفاه مُبتسمة تعاكس حقيقتها، على الرغم من تلويثها لوجهها بما فيه الكافية.

وحين انتهت كان بإمكانها الآن أن تحزن دون أن يلحظ أحد، أو هكذا فكرت.. صنعت لنفسها بهجة مُزيفة، كان بإمكانها أن تترك الآن دمعة عالقة في مدمعها طويلًا، لتندلق، على خيبات بمسميات مساحيق

وصرخت. دون أن تبلغ مسمع أحد. بدت لنفسها -بوجهها الملطخ، ودموعها المنسابة وصراخِها الخافت- كما لو كانت وحش جريح!