كيف يكسب الكاتب شهرته، عن طريق رواية واحدة، أم بأعمال عديدة ومُتراكِمة؟

كثيرٌ من الكُتَّّابِ نشروا عدداً لا بأس فيهِ من الكُتبِ، ومع ذلك لم يحظوا بشعبية كبيرة، ولم يجدوا قراءً لكتبهم

والبعضُ الآخر نشر كتاباً واحِداً يُساوي كل تلك الكتب العديدة، بل وأنه وحده أفضل منها كلها مُجتمعة،

وبعضهم استمر بالنشر بعد تحقيق روايته الأولى نجاحاً باهراً، وبعضهم توقف بعد أن رأى كتابه لا يحقق شيئاً يُذكر

إذاً جواب السؤال في بداية المقال، ليس بإمكانه أن يكون رواية واحدة أو كتب متعددة.. الأمر لا يتعلق بالكمية بل بالجودة!

وهذا يُفسر ما كنتُ قد قلته عن تأثير كتاب واحد يفوقُ كتباً عِدة.. تسمى هذه الظاهرة الأدبية بِـ " ظاهرة الرواية اليتيمة" وسنأتي على ذكر هذه الروايات


1- رواية "سارة" للعقاد



عباس محمود العقاد، هو أديب ومفكر وصحفي وشاعر مصري، امتلأت ساحة الأدب المصري بكتبه ومؤلفاته، إلا أنه من بين كل تلك المؤلفات لم يحصل قسم الرواية إلا على حصة ضئيلة منها، إذ أن الكاتب نشر رواية واحدة، حكى فيها قصة العشق التي لم تكتمل بينه وبين سارة، تلك الفتاة المليحة التي أجادت بذكائها اللعب بقلب العقاد، فعزفت على الوتر الحساس فيه، وخاضت في المواضيع التي قضى عمره يُحِبها.. والتي هي مواضيع الأدب.. لذا قد كانت تناقشه وتحواره بكل ما تقابله من الروايات والصور المتحركة والسينما والمشاهد الثقافية

ولم يكن للتاريخ أن ينسى قصة كهذه، فخلدها العقاد بكتابتها، وقد حقَّ خُلُودُها حين أصبحت أحد أهم روائع الأدب العربي!

2- "الناقوس الزجاجي"


مهن كثيرة لمعت أمام الشاعرة الأمريكية "سيلفيا بلاث" ولكن عينها لم تقع إلا على مهنة "كتابة الشعر" إذ وجدت عزاءها فيها، لكون الكاتبة كانت تعاني من "الإكتئاب السريري" الذي يُعد أكثر أشكال الإكتئاب حدة ويُعرف أيضًا بالإكتئاب الكبير أو الإضطراب الإكتئابي الكبير، ولذا كانت تفرغ وحدتها ومشاعرها على الورقة، عن طريق الشعر.. ولم تكتب سوى رواية واحدة أحبها الكل، هي الناقوس الزجاجي، بعد مُدة قصيرة انتحرت سيلفيا عن عمر يُناهز الثلاثين، وقد شهدت روايتها نجاحاً باهراً بعد موتها، استمر إلى أيامنا هذه


3- "الجمال الأسود"



3-رواية الجمال الأسود أو الحصان الأسود، هي رواية كتبتها آنا سويل في آخر سنواتِ عُمرها، إذ أنَّّ آنا لم تبارح منزلها في سنواتها الأخيرة بسبب الإعاقة، وبشكل سريع أصبحت الرواية أفضل الكتب مبيعاً، المُؤلمُ في الأمر أنَّّ آنا توفيت بعد خمسة أشهر من نشرها للرواية، ولذا لم تحظَ الكاتبة بفرصة لرؤية نجاحها الكامل، إذ أن روايتها احتلت ساحة الأدب لفترة طويلة، حتى دخلت إلى الكثير من المناهج المدرسية والجامعات

الجدير بالذكر أنَّ الرواية تعتبر أحد أكثر الكتب مبيعاً على مر العصور، فقد بيعَ منها أكثر من خمسين مليون نسخة


4- "أزهار عبّاد الشمس العمياء"


كتب ألبرتو مينديس رائعته العالمية هذه، ولكنه أيضاً رحل قبل أن يرى نجاح روايته ويعيش مجدها الأدبي، كما حدث مع آنا وسيلفيا التي تحدثنا عنهما آنِفاً، بل وكثيرٌ من الكتاب ذُكر أنهم عايشوا هذا الأمر، حتى لأنني فكرت أن أترك هذا المقال الآن لأكتب مقالاً آخر عن هذا النوع من الكتاب!

كانت الحرب هي العنصر الذي تدور عليه الرواية، وبوجود الحربِ فيها وجدَ الألم والقهر..

"لم يتمكن أحد من سماع الذين صرخوا أثناء الحرب، ولا تعافي الجسد الممتلئ بالجروح مرة، كل ما هنالك أنهم تعودوا الصمت، وتركوا الكلمة للزمن!"

وقد تحدث عن الذكرى والذاكرة أيضاً، تلك الذاكرة المهزومة.. وقد قال ألبرتو عنها "قد تكون الذاكرة التي نحيا بها، هي الجحيم بالنسبة إلينا، خصوصًا لو كان ما نود أن نخفيه، يطفو بصورة ملحة ومستفزة أحيانًا أمامنا!"

قد يكون سبب الهروب من عالمِ الأدبِ أنَّ الكُتاب قد حكوا كل ما لديهم دفعةً واحِدة أو أنهم قد رحلوا مُبكِراً.. أو أسباب أخرى

وبما أن العدد لم يعد يُهِم فإن من ينوي الكتابة، ليس عليه أبداً أن يقلق من عدد الكتب التي سينشرها في مسيرته الأدبية..


الجزء الأول من المقال " ظاهرة الرواية اليتيمة"