قبل بضع سنين من الآن، فكرت -ما سيفكر به أي عجوز بلغ سني- بلحظة مغيبي من هذا الكون الكبير والذي لن يرف له جفن آن تنتهي حياتي فيه

فكرت أنّ إذّاك -وباحتمال كبير- لن يكون هنالك ما يمس اهتمامي، ولا بنسبة ضئيلة، سوى أن أستلقي ذات عصرية، في مكاني المُفضل من بيتي، وتلك الأشعة الباهتة والدافئة تغمرني، بينما تحفني أشيائي وأشخاصي - إن كانوا موجودين-

وأتمدد.. دون نصب أو سقم، ندم أو حزن ودون أن تمر ببالي ذكرى ما تعيسة، دون أن يؤلمني جسدي أو شعوري. وأنام.. أعمق نوم حصلت عليه في حياتي، ولا أصحو بعدها أبدًا.

كنتُ في الثمانين.. والآن أبلغ التسعين ولا أزالُ موجودًا، وكأنني ذلك الشيء المهم في هذا العالم، الجزء الذي لا يُستغنى عنه، أسخر من نفسي بقولي هذا، فأنا -كما يُهيأ لي- لا لزوم لي ولا حتى لدى أولادي، الذين كبروا بدورهم وأسسوا حياة لا تعنيني

وأسخطُ من نفسي، بينما أراقب كل من أعرف يتساقطون من حولي، زوجتي التي تصغرني بعشر سنين، رفاقي الذين ظلوا معي مسيرة هذا العمر. وجيراني الذين لن يعودوا جيرانًا إلا بعد أن ألحقهم إلى المقبرة!

وأستغفر ربي في سري، هل هذا ما يقوله من أوشك إلى الرحيل عند ربه؟ فلأموت ميتة صالحة يا إلهي، شغلت بالي الميتة كثيرًا في الآونة الأخيرة، عليَّ الآن أن لا أشغل نفسي بأي ميتة كالمشرد، بل بلوغ ميتة هنية وصالحة يا إلهي!

أنهيت مرحلة البحث عن الأطعمة الصحية وجمعها وإعداد الخلطات التي من شأنها تقوية المناعة - والتي بلغ بي معها أن أختلق بعضها من معرفتي القليلة- وتناولها كل صباح ونشرها لدى معارفي ونصح أبنائي بها وإطعام أحفادي إذا ما جاؤوا لزيارتي.. أنهيت مرحلة التجوال في البيت وإطفاء الأنوار والتقريع على الكهرباء المسرَفَة، والماء. أنهيت مرحلة النصح والوعظ والإرشاد وافعل ولا تفعل، وأنهيت يالله سرد حكايتي -لكل من يجيئني- ذكراي، شبابي، حياتي القديمة، رفاقي ومدينتي، والحروب التي وقعت في زمني. وانعزلت في غرفتي كناسك، وتعفن فراشي، واصفرت ملابسي. فماذا بقي بعد؟

أنظرُ إلى نفسي في المرآة فيكون أول ما يقع عليه نظري، ظهري المحدودب كرقم اثنين، ذاك الذي لا يملكه إلا المشعوذون الكبار، وإذا أمعنتُ النظر أجد أنّ الشيب قد أكلني حتى أخمص قدمي، رأسي حليقٌ دائمًا وقاسٍ، وبشرتي كجذع شجرة.. أزورني بعبوس وأفكر بأني لستُ خليقًا بهذا العمر الطويل، لو أنّ أحدًا ما حصل عليه لربما استفاد منه أكثر، هل بإمكاني توزيع السنوات المتبقية من عمري لمن يحتاجها؟ أستغفرك يا رباه

يُعاملني أولادي دائمًا ببر ورفق، يظنون أن أجلي قد حان وأن عليهم الإحسان إلى أبيهم، آه يا قرة عيني كيف أخبركم أنّ أجل أباكم لم يأزف بعد، وأنه ربما يعيش أكثر منكم

في بيتي.. دائمًا ما يرينُ صمتٌ عميقٌ على المكان، هذا ما كنتُ أظنه في البداية، ولكن الحقّ هو أنني بدأت أفقد سمعي تدريجيًا وما عدتُ أستطيع الإصغاء لأي صوت، إلا إذا أدخل أحدهم فمه في أذني اليمين ليتكلم، وأقول " أذني اليمين" لأن اليسار ما عادت تعمل.

ولا بُد أنّي قد أتعبت حفيدي الأصغر في زيارتهم لي البارحة، إذ كان يتحدث فلا أسمع، وأتحدث -بصوتي الخفيض- فلا يسمع. وسأل سؤاله الذي جعله يتحمل كهولتي هذه " ما الذي تروم بلوغه قبل أن تموت؟" علمًا أنه سألني هذا بحضور أبنائي وزوجاتهم وأطفالهم، فنهرته أمه ونترت به، فانتهر آنذاك فحسب، والآن عاد مع ذات السؤال. الشقي!

لم أشأ أن أُجيبه بأنّي أروم أن أموت فحسب، فأخبرته بأمنيتي الصغيرة قبل بضع سنين، عن الموتُ الهادئ. والمغيب الذي سيأخذني معه، وأشعة الشمس، بدل الضوء النيوني لهذا المكان، أن أراقب -ورُبما أسقي- للمرة الأخيرة أشجاري وأزهاري التي زرعتها على مدار السنين هُنا. والأهم أن لا أموت وحيدًا، بل حولي كُل من أحب. فسأل إن كان من بينهم وأجبتُ بإيماءة مؤكِدة. وطلبت أنني إذا مت فسأدفن بجانب زوجتي. وقد كان يُردد بين الفينة والأخرى كلما تحدثت عن موتي - لا سمح الله- ببلاهة.

وسألنّي عن الأشياء التي تحزنني، فتذكرت وتذكرت فتألمت وما أشنع الذكرى وما تجيء به معها، إذ أنها تحمل الحزن في طياتها حتى مع الذكرى الحبور.. فحكيتُ له عن فقداني لجدته وألمي على كل اللحظات التي لم أقضها معها. وكل المرات التي نهرتها بها وحرمتها من أشياء لم تكن تستحق -عمّا قليل سيتضح لي أن ما من شيء كان يستحق- والأسوأ كل المرات التي ضربتها بها. وضربتُ أولادي -بدا لي أنها ماتت مُبكرًا كي ترتاح مني- وكل الأيام التي كان بإمكاني أن أمسح بها على رأسهم بحنو ولم أفعل. وكل اللحظات التي كانوا يتسامرون فيها فأتركهم وأنزوي وحدي، وحين كانت تصل إلي ضحكاتهم العالية فلا أخرج وأشاركهم بل أنزوي مع نفسي أكثر. وفي أحايين كنت أخرج فأنهرهم وأعود.

عن رفيق عمري الذي تخاصمنا أنا وهو لسنين ثم مات ونحنُ خصيمين.

وأفكر.. هل كان الأمرُ يستحق حقًا؟ ما داعي الخصام؟ ما داعي العزلة والغضب والحنق والسباب والكره المفرط لأشخاصٍ ما، ما معنى كل تلك المواقف الثائرة التي مرت في حياتي

كانت شفاهي وحدها تبكي بينما أحكي وأفكر، أنا لا أبكي، لم يعتدني أحد - ولم أعتد على نفسي- أن أبكي لأي شيء كان.

ما داعي الصلابة، والجلفة؟ إذ كنت قد تفارق هذه الحياة في أي لحظة؟ ما داعي التفكير المفرط والمبالغ به، والخوف؟ والتمسك بهذه الحياة والتعقد من مواقفها وأماكننا فيها، والسعي وراءها

أما كان بإمكاني أن أكون رحيمًا، طيبًا، ومسامحًا غير مُبالٍ ولا عاتب، كم من ليلة لم أنم فيها من التفكير والحسبان أو من الحزن. كم من طعام لم تمسسه يدي لذاتِ الأمر، كم من الوقت مر علي وأنا على هذه الشاكلة قبل أن أفيق يومًا منها قبل وفاتي ببضع سنين. أعود لأسأل نفسي هل كان الأمر يستحق؟ هل أعطيتني هذا العمر الطويل يالله لأعي مالم أبلغ وعيه طيلة حياتي، كالممغنط.

بعد أسابيع من هذا اليوم، سأقترب من أن أموت متهاويًا من على الدرج الصغير أمام باب منزلي، بينما أودع أبنائي بعد انتهاء زيارتهم التي كانت أقل من نصف ساعة - في صباح ذلك اليوم سأبكي كثيرًا حتى أحس بأن علي تقيؤ روحي- ولن يطيلوا الزيارة فأتمنى أن يفعلوا ولكن لن أطلب منهم فيذلفوا سريعًا، وأثناء ذلك سيحدث ما فهمته منذ الصباح - منذ بكائي الذي لم أشهد له مثيل- من دقاتِ قلبي الخائفة من وجع روحي قبل وجع جسدي من سقوطي عشرين مرة هذه الصباح.

وأحس بروحي تخرج فأسقط من الدرج وأرتطم بالأرض العشبية، وأنا أبكي وأعلم أن ظهورهم كلهم مقابلي وأنهم يرحلون وأنا أرحل إلى الأبد. أموتُ وحيدًا. باردًا. ومُتألمًا مُتحسرًا!

شهقات كُنتُ أحسبها صادرة مني، لم أفهم أنها منهم إلا حين رفعني أحدهم وغفوت. لأستيقظ بعد قليل، تحت ظل كرم الزيتون الكبير ممددًا والأشعة القوية من الشمس تنساب إلى وجهي، وقد وجدوا أطرافي باردة فغطوني، وما إن استيقظت حتى لمحت وجه ابني الأكبر وقد بدأ بالمسح على رأسي وتقبيلي - الشيء الذي فعلوه جميعهم- ومسحت زوجته شفتي بماء بارد. لم أعرف كيف عادوا إلي رُبما لمحني أحدهم مسجيًا، ورُبما عاد ليأخد شيئًا ما نسيه، أو أن الصغير ذاك قد أخبرهم بكل ما رويته له. وكنتُ سعيدًا لأني أخبرته أن يطلب من الجميع مسامحتي.

وتكررت عبارات الدعاء لي. والحب. وتحدثوا إلي جميعهم وقبلوني، وتداخلت أصواتهم وجاءت ذكرى قديمة وأخرى جديدة. وتذكرت أنّي سأدفن بجانب زوجتي - التي أحببتها عند موتها أكثر ما أحببتُ وهي بجانبي- وغمرني الرضا.. وشعرت بيد ابني بلمسة خفيفة أغمض بها جفني وهمس.. بأشياء كثيرة في أذني اليسار التي لم أكن أسمع بها ولكن صوته القريب ونفسه كانا دافئين، وهذا كان يكفي.. لأنام بعدها طويلًا بسلام.