أفديك..

بأبي وأمي ونفسي وأنفَسَ ما أملك وأغلى

ولا يكفيك..

بأبي وأمي أنتَ، لم أقلها في حضرتك يومًا ولم تسمعها منّي، ولم تنادني حتى أهبَّ من بين الجموع "بأبي وأمي فأمرني" ما شُرّفت بهذا الفضل وما سمعتُك يومًا ولا سمعتني، وما استفتيتك ولا أفتيتني، وصلني حديثك المحفوظ من عند الله بألفاظه المُباركة يا من أُوتيَ جوامع الكَلِم، وكان حديثي أحقر من أن يقال أمامك يومًا.

بأبي وأمي، ما رأيتُ محياك الذي أخرج أبا بكرٍ من بيته ليلًا متلهفًا لرؤيته، ولا بلغت أذناي نبرتك ولا تلاوتك لآياتٍ أنزلت عليك.

أفديك..

لا مالًا أباركه في سبيلك كما الصديق، ولا سيفًا أسلّه مجاهدًا ومدافعًا كما سيفِ الله المسلول، ولا كلمة حقّ أقولها أمامك كما الفاروق.

أفدي خديجة إذ صدقتك لما كذبك النّاس، إذ رأت فيكَ قبل الكُل ما كان يجبُ أن يرى

أفدي فاطِمة إذ تبكيك "وا أبتاه"، أفدي عائشة إذ تفهم من نظرتك ما كان في خاطرك فتنظِفُ لك بِرِيقِها السواك

أفدي كُل مسلمٍ ينتفضُ لأجلك.

بأبي وأمي صلَّ الله عليك وسلم تقولُ” ليتَ أنَّا نرى إخواننا “ وإخوانك يقولون” ليتَ أنَّا نرى رسولنا “

ولا نملك مواساة أعظم من قولك " إنما هي أيامٌ قلائل والموعدُ الجنّة" ولما قلت "فَاصْبِرُوا حتَّى تَلْقَوْنِي علَى الحَوْضِ"

يعزي بلال نفسه آنَ موته بقوله "غدًا نلقى الأحبة، مُحمدًا وصحبه" ولا يعلمُ بهذا أنَّهُ يعزينا جميعًا معه، يخفف عنّا خطبًا عظيمًا.

طالَ علينا الغد الذي سنلقاكَ وصحبكَ فيه.. وكما قلتَ "فاصبروا" نَصبر.

وإنك أنت.. أعظم ما في تلك الجنة وهي التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر!

ما من إيمانٍ في قلبِ عبدٍ حتى يحبك ويحبك فيبلغ حبك أقصى نقطة في فؤاده بكل ما فيه من استيعاب للحبّ ولا يحبّ هكذا بعدك أحدًا أبدًا.

فيكف بمن طعن بك وبأزواجك وصحبك وأنكر سنتك وكذّب حديثك!

وا رسولاه! إنّ شانئك هو الأبتر.. وا نبياه! إنّ ربك من فوق السماواتِ العُلا كفاك كل مستهزئ، وا حبيباه إنَّ المفلح من أحبك والخاسر كُل خُسرٍ من تطاول عليك يومًا.

تبت يدا من قالَ تبًا لك، وخسئ من استهزأ بك، وشاهَ وجه من أعرض عنك. وفي دركاتِ النار من رمى على ظهرك يومًا وأنت تصلي

وا رسولاه، يشجون رأسك ويكسرون رباعيتك ويدمونك، وتأبى أن يُطبقَ عليهم الأخشبين تقولُ برحمة "اللهم اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون"

لعمري إنّ الناس أجمع في كفة، وأنت وحدك في كفة

.

ما تلامُ أُمنا إذ تكسرُ الإناء غيرةً عليك

ما يلامُ أبا بكرٍ إذ يُقاطع خطبتك منفجرًا ببكائه

ما يلام هو والفاروق إذ يرفعان رأسيهما ليبتسما في وجهك وباقي الرؤوس مدناة إجلالًا لك.

ما يُلامُ عمر إذ يهدد بقتل من قال عنكَ " مات!" ويحلفُ بالله أنّكَ ما متّ

كيف يصدقون موتك؟ أولئك الذين رأوك لما بعثت تحيي الميت من القلوب، أولئك الذين رأوا نور وجهك وسمعوا صوتك.

أحييتهم فكيف تموت؟ فإنّك والله تحيا في أفئدتهم بعد ذلك أبدًا.

تسألُ أثناء وجعك " أصلى النّاس؟"

تنظر إليهم من حجرتك، وتتبسم لهم

تخطب فيهم خطبةً مودع ولا يدرون.. لا يعلمون أنها آخر النظرات والنبرات والكلمات، آخر عهدهم بك.

كيف صبروا هؤلاء من بعدك؟ إخوانك الذين لم يروك ما طاقوا صبراً لفرطِ الشوق، فكيف بهؤلاء.. كيف بهم؟

تحدثنا بأن البخيل من ذكرت عنده ولم يُصلِّ عليك، بأمي أنت كيف يسمع اسمك صلَّ الله عليك وسلم ولا يُصلي، كيف يَعبُر اسمك الشريف أمامه ولا يلهج بالصلاة.

محرومٌ من لم يشتاق لك، محرومٌ من حرم نفسه لذة السعي في الدنيا لجوارك في الآخرة. من بخل على نفسه بأن يصلي عليك.. من لم يقرأ في سيرتك ومن لم تفض عيناه إذ يقرأ "إلى الرفيقِ الأعلى، إلى الرفيقِ الأعلى "

لله وجع أمتك من بعدك

لله وجع المشتاق لك

لله حرقة من سمع الأراذل يتطاولون عليك.

صلى الله وبارك وزادَ وأنعم، عليك يا نبينا وعلى صحبك الكرام وأزواجك الطاهرات وآلك الشرفاء.