بسم الله الرحمن الرحيم 

                                                          أمى بعد أمى 

اصطحبت الأم ، صبيها الصغير البالغ من العمر ست سوات ، لزيارة أخوالها من بنى النجار فى يثرب . ما أن وصلت حتى داهمها المرض ، فترة قصيرة وفارقت الحياة . أظلمت الدنيا على الصبى الصغير ، وهو بعيد عن مكة . اعادوه إلى بلده  ، خرج مع أمه وعاد من غيرها . أى إحساس بالفقد ومرارة اليتم والفراق مر بها الصبى الصغير . عاد مكلوماً ، تملأ نفسه الحسرات والزفرات . شاركته الوديان والبيداء رحلة العودة الحزينة . لا شئ يحدث صدفة ، دون حكمة أو تدبير . هذا الصبى سوف يكون أعظم رجل أنجبته البشرية ، وأجل شخصية مرت بها الإنسانية . سوف يكون نبياً ، تتراجع  أمامه الأنبياء ، ليكون النبى الأول فى المكانة والمقام صلى الله عليه وسلم . عليه أن يتعلم مبكراً منذ نعومة أضافره ، معنى الحياة وحقيقة الموت وقيمة الدنيا . دروس قاسية ومؤلمة لصبى صغير ، سوف يكون كبيراً بالمعنى الحقيقى لكلمة كبير . 

تداركته رحمة ربه ، كنوع من التعويض .أوجدت له أماً بديلة ، تجمعت فى نفسها كل عواطف ومشاعر الأمومة ، تجاه الصبى اليتيم . إنها "فاطمة بنت أسد " ، المرأة القرشية ، سليلة الحسب والنسب وزوجة عمه أبو طالب ، استقبلته فى بيتها وفتحت له القلب والذراعين . غمرته بالحنان والرعاية والإهتمام . اهتمت بمأكله ومشربه وملبسه ، رغم كثرة عيالها وضيق الحال . كانت تؤثره على أولادها فى المطعم والملبس . كانت تغسله بالماء وتدهن شعره ، وترجله وتطيبه . أما هو صلى الله عليه وسلم ، كان يحبها كثيراً ولا يناديها إلا بأمى . كان يمكن لها ، أن تمتعض من الوافد الجديد ، لأنه سيسبب لها زيادة الأعباء وشدة الضيق فى المعيشة . ولكن "لله فى خلقه شئون" . إزدادت فرحاً وسروراً وحبوراً ، وأصبح لها مشكاة فى الدار . وصار سراجاً بين الأولاد . إنها إمرأة من طراز رفيع ونموذج مختلف عن النساء العاديات ، اللواتى يحتفظن بالحب لأولادهم ، ثم القليل منه لأبناء غيرهم . كان الصبى تحت سمعها وبصرها ، فى ذهابه وإيابه ، فى نومه ويقظته ، فى الغدو والأصال . هو لم يكن أبداً وفى أى لحظة "كماً مهملاً " بالنسبة لها . تُرى ما السر وراء كل ذلك ؟ . هل هى النفس السوية الكريمة لديها ، أم بركة ونورانية ذلك الصبى . أم ذلك الإحساس العميق ، بأن هناك شئ عظيم فى المستقبل ، وتحمله الأيام مرتبط بذلك الولد اليتيم . أم كل ذلك فى حزمة واحدة . ليت المكنون يبدو جلياً وليت المجهول يبدو معلوماً ، وليت الباطن ينقلب ظاهراً . 

مرت السنوات بأيامها ولياليها ، وشب الفتى عن الطوق وصار شاباً ذو مهابة وجلال . وأصبح حديث المدينة وأيقونة  " أم القرى "  . وحاز اللقب الرفيع " الصادق الأمين " صار فريداً بين الشباب وجوهرة بين الرجال . وجاءت ساعة الحقيقة ، وحصحص الحق . وتم الجهر بالدعوة وإعلان البعثة النبوية . وأختارت السماء رجلاً يمشى على الأرض . وتصدعت قريش وتفرق الأبناء عن الأباء والأخوة عن الأخوات . الحق يجمع وفى أوقات أخرى يفرق ، فى سنن سارية إلى يوم الدين ، وتتجدد فى كل وقت وحين فى داخل بيتها أسلم ولديها جعفر وعلى وبقى الأب والزوج على دين أبائه لم يستطع أن يتخلص من قيد القبيلة والعشيرة . كانت ترقب كل ذلك من خلف جدران بيتها ،  وما يحدث فى أحياء وشعاب مكة . كانت فى حيرة وممزقة بين بقاء زوجها على دين أبائه وإسلام الأولاد جعفر وعلى . لم تشأ أن تدخل فى نزاع مكشوف و مفتوح مع زوجها . يكفيه نزاعه الكبير مع قريش من أجل محمد الغالى (صلى الله عليه وسلم ) . هى تعرف خديجة وتعرف ابنها محمد ، وقد ربته صغيراً وإقتربت منه كبيراً . جاء حصار "شعب بنى هاشم " والذى قررته قريش فكان كارثة ، لاقوا فيه الويلات وأكلوا أوراق الأشجار . استمر الحصار والمقاطعة ثلاث سنوات . أنفقت فيه "خديجة بنت خويلد "  كل مالها . وخرجت بعد إنتهائه فى حالة يرثى لها ثم ماتت بعد ذلك . كذلك خرج أبو طالب منه منهكاً مجهوداً  ثم  مات هو الأخر . وحل عام الحزن ، لم يعد أمامها إلا الحق وحقيقة المفترين . أسلمت عن يقين ، وجاء الإذن بالهجرة والرحيل . هاجرت مع ولدها على والعائلة إلى المدينة المنورة  . هناك حطت الرحال وإستقرت الأبدان والأرواح ، هى حماه لفاطمة بنت محمد تلك التى سماها محمد صلى الله عليه وسلم ، على اسمها حباً وعرفاناً لها ( ذكرت بعض الكتب الإسلامية ذلك ) . إنها ليست كأى ابنة وهى ليست كأى حماة . تقاسمت معها شئون المنزل ، هى تأتى بأحتياجات البيت من الخارج . وفاطمة تدير شئون الداخل ، إنها قسمة مباركة . كان النبى صلى الله عليه وسلم يأتى عندها ليقضى وقت القيلولة . كانت شديدة الحياء . سألته يوماً عن أحوال الناس يوم القيامة ، فأخبرها أنهم يبعثون حفاة عراة كما ولدتهم أمهاتهم ، رجالاً ونساءً . فصاحت " واسوأتاه " . كان النبى الكريم يعرف مقدار أدبها وحيائها ، فأخبرها أنها سوف تبعث يوم القيامة "كاسية "  . ففرحت لذلك ، وعُرفت بين المسلمين بأنها المرأة التى ستبعث يوم القيامة كاسية . 

جاءت لحظة النهاية وماتت السيدة الفاضلة ، عن 62 عاماً . وأخبر الإمام على النبى خبر الوفاة . دمعت عينا النبى وقال : " رحمك الله يا أمى ، كنتى أمى بعد أمى " تجوعين وتشبعيننى . وتعرين وتكسيننى " . وتمنعين نفسكى طيباً وتطعميننى . تريدين بذلك وجه الله والدار الأخرة " ، وأستعد للجنازة .بهذه الكلمات ودع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أمه البديلة أو أمه التى لم تلده وهى كلمات تمثل قمة المشاعر الإنسانية وتقطر نبلاً ووفاءً وعذوبة من أكرم مخلوق مشى على وجه الأرض تجاه امرأة ساقتها العناية الإلهية إليه  لكى تقدم له الخير فى طفولته وصباه وشبابه  . 

وختاماً يمكن القول ، أن الصحابية الجليلة فاطمة بنت أسد ، إلى حد ما تعتبر صحابية مجهولة أو مظلومة فى التاريخ الإسلامى وبين عامة المسلمين . فكثير من عامة المسلمين لا يعلمون عنها شيئاً ، على خلاف صحابيات أخريات ، معروفات للجميع مثل عائشة بنت أبى بكر وأختها أسماء ذات النطاقين ومثل خديجة بنت خويلد وفاطمة الزهراء وسمية أم عمار بن ياسر وغيرهن الكثير . رغم أنها لا تقل مكانة وشأناً عنهم . ويفسر البعض ذلك بأن الصراع السياسى الذى نشب بين الإمام على وبنى أميه قد ألقى بظلاله على سيرة هذه الصحابية العظيمة ، فتوارت سيرتها فى كتابات المؤرخين بتأثير السلطة الحاكمة من بنى أمية . وكثيراً ما يكون العراك السياسى مفسداً ومشوهاً لكثير من الأمورالجميلة فى حياة البشر . تحية إجلال وتقدير لأم النبى البديلة أو كما قال صلى الله عليه وسلم أمى بعد أمى . 

                                                                                                          فتحى عبد العليم