بسم الله الرحمن الرحيم

                                                          الناس علي دين ملوكهم - اين الحقيقة؟

قال بن كثير في تاريخه : " كان الوليد بن عبد الملك محباً للتشييد والعمران ، فكان الناس يسأل الواحد منهم الآخر ، هل بنيت بيتاً جديداً ، هل شيدت بناءً جديداً. . فلما جاء سليمان بن عبد الملك ،وكان مولعاً بحب الطعام ونكاح السرائر . فكان الناس يقولون لبعضهم البعض ، ماذا أكلت اليوم ؟ وكم نكحت من السرائر . فلما جاء عمر بن عبد العزيز ، وكان محباً للقرآن والعبادة والتقوي ، كان الناس يقولون لبعضهم ، كم ورد من القران قرأت اليوم ، وكم من أعمال الخير فعلت اليوم ؟ . وكذلك الناس علي دين ملوكهم ". ما ذكره بن كثير عن مقولة " الناس علي دين ملوكهم ، ذكره غيره كثيرون مثل بن خلدون ، واليعقوبي والثعالبي ورفاعة الطهطاوي. وقد قال العجلوني ، صاحب كتاب "كشف الخفاء " : والأظهر أن الناس يميلون إلي هوي السلطان . فان رغب السلطان في نوع من العلم ، مال الناس إليه ، أو في نوع من الآداب والعلاجات كالفروسية والرمي ، صاروا إليه . ثم قال : وأظهرها في معناه قول عمر بن عبد العزيز " إنما السلطان سوق ، فما راج عنده ، انتقل الناس إليه". وقد أكد  سيدنا عثمان بن عفان ( رضي الله عنه) ذلك المعني بقوله: " إن الله يزع بالسلطان ، مالا يزع بالقرآن ". والمقصود بذلك ، أن السلطة السياسية والحكم يكون لها تأثير في تشكيل الرأي العام ، وحركة وتفاعلات المجتمع .

وقد غالي البعض في هذه المقولة ، وتحدثوا دون علم علي أنها حديث نبوي . وقد أنكر العلماء ذلك ، وإنما هي مقولة دارجة اُستعملت من قديم وتناقلتها الأجيال . ولا يُعرف علي وجه التحديد من قالها ومتي قيلت . وهي مقولة لها دلالات سياسية وتاريخية وإجتماعية ، وهي حمالة أوجه . مايعنينا في هذا المقام ، تحري وجه الحقيقة فيها ، وبيان مدي الصحة والدقة فيها بشكل موضوعي . الحقيقة أن هذه المقولة ، لها رصيد كبير من الواقع وتجارب الشعوب ، ولكنها لاترقي إلي أن تكون قاعدة ثابتة ، فهي يمكن أن تتحقق في حالات معينة . وقد تنتفي في حالات اًخري . وقد أجلي بن كثير هذا الوجه من الحقيقة في موضع اًخر من كتابه " البداية والنهاية" ، عندما قال :" الناس علي دين ملوكهم" ، إن كان خماراً كثر الخمر، وإن كان شحيحاً حريصاً كان الناس كذلك . وإن كان جواداً كريماً شجاعاً ، كان الناس كذلك . وإن كان طماعاً ظلوماً غشوماً ، كان الناس كذلك . وهذا يوجد في بعض الأزمان والأشخاص ". باستقراء وقائع التاريخ ، يمكن استنتاج ذلك بسهولة ، فعندما دخل الزعيم المغولي "بركة خان" الإسلام . دخلت معه قبيلته كلها وهي القبيلة الذهبية . وكانت هذه نقطة تحول خطيرة في تاريخ المغول والعالم . فقد أدت إلي دخول المغول بعد ذلك الي الاسلام . وهذا الأمر بالذات يعتبر إحدي عجائب الإسلام وعجائب الدنيا . أن يدخل الغالب في دين وحضارة المغلوب . علي خلاف القاعدة المضطردة ، أن المغلوب يقلد الغالب ، في سلوكه وعاداته وحضارته . وكان من نتيجة ذلك ، أن قامت الإمبراطورية المغولية الإسلامية في الهند . وأقامت حضارة عظيمة ، بعد أن كان المغول قوم همج لاحضارة لهم . وأكبر مثال أثري وتاريخي دال علي ذلك وقائم حتي الان "تاج محل" في الهند والذي يعتبر إحدي عجائب الدنيا السبع . والمثال الثاني ، هو دخول الإمبراطور الروماني " قسطنطين" باني مدينة "القسطنطينية " ، في المسيحية ، فإنتقلت الإمبراطورية من وراءه من الوثنية إلي المسيحية . وكان ذلك أيضا نقطة تحول ،حيث إنتقلت المسيحية من نطاقها الجغرافي المحدود في فلسطين إلي مجال جغرافي واسع في الأناضول وأوروبا . رغم أن المسيح عليه السلام قال :" لقد أرسلت إلي خراف بني اسرائيل الضالة " . والمثال الثالث ، هو عندما قامت حركة الرده في الجزيرة العربية ، بعد وفاة النبي صلي الله عليه وسلم . كان أكبر هذه الحركات ، هي حركة "مسيلمة الكذاب " زعيم بني حنيفة في أرض اليمامة بجنوب الجزيرة العربية . وكانت هذه القبيلة كثيفة العدد ، قدرها البعض بما يقرب من مائة وعشرين الفاً . وكانت قوية كثيرة العدة والعتاد ، ومثلت أكبر تحدي للدولة الإسلامية الناشئة ، ولولا نصر الله ، وقوة وصلابة المسلمين بقيادة خالد بن الوليد ، ما استطاع المسلمون القضاء عليها . هذا من ناحية صحة وواقعية المقولة التي نتحدث عنها . أما ما يناقضها ، وينفي أنها قاعدة ثابتة ومضطردة . فهناك أمثلة اًخري . فهناك "النجاشي" ملك الحبشة علي عهد النبي صلي الله عليه وسلم . كان قد أسلم ، وعندما مات صلي النبي عليه صلاة الغائب ، ومع ذلك لم يستطع أن يؤثر في قومه ، بل أخفي إسلامه علي وجه الترجيح . المثال الاًخر هو قوم "تبع" الذين ذكرهم القران الكريم في آيات عديدة. وكيف أنهم أقاموا حضارة عريقة في اليمن ، وبنوا سد مأرب وكانت بلادهم ذات جنات وعيون ، وأُطلق بسبب ذلك علي اليمن لفظ "اليمن السعيد" ، ولكنهم كفروا وتبطروا ، فأرسل عليهم الله سبحانه وتعالي "سيل العرم" . وانتهت بذلك مرحلة اليمن السعيد ، وانتقل بعدها تدريجياً إلي مرحلة القحط والجفاف . وهكذا هاجرت القبائل اليمنية وهم أصل العرب الي الجزيرة العربية وبلاد الشام . هؤلاء القوم كان ملكهم ، وهو"تبع" صالحاً وزار الكعبة وكساها وأسلم علي الحنيفية دين سيدنا ابراهيم عليه السلام . وكان ينصح قومه ويعظهم ولكنهم لم يتبعوه . لذلك نهي النبي صلي الله عليه وسلم وقال :" لاتسبوا تبع ، فهو قد أسلم ". وكان ذلك قبل مولد النبي صلي الله عليه وسلم ب700 عام . أيضاً ، يذكر البعض السلطان العثماني عبد الحميد الثاني " كان رجلاً صالحاً ، رغم كل ما أُثير حوله من مغالطات وتشويه . ولكنه كان يحكم دولة " أيلة للسقوط" . بالإضافة الي تكالب الأعداء حول تركة الرجل المريض  ، كما أُصطلح علي ذلك تاريخياً . ولكنه لم يكن حازماً ، وكان هو في وادي ، وبطانته وقوي المجتمع في وادي اخر ، مما أدي إلى سقوطه وبعدها سقطت الدولة بكاملها . أيضا الدولة الفاطمية التي حكمت مصر وهي شيعية أكثر من مائة عام . ورغم كل مافعلته لم تستطع أن تغير مذهب الشعب المصري السني . وكانت تاثيرها مجرد قشور علي سطح وواجهة المجتمع . والجامع الأزهر خير دليل علي ذلك ، فرغم أنه بُني ليكون منبراً للدعوة الشيعية . إلا أنه تحول بعد سقوط هذه الدولة ، إلي قلعة للإسلام ومنارة للعلم والدين الصحيح . 

واخيراً يمكن القول ، أن هذه المقولة أو الظاهرة " الناس علي دين ملوكهم " ، قد ضعفت نسبياً في العصر الحديث . ففي الدول الغربية ، التي تُعلي من شأن الديمقراطية ، لم يعد هناك تأثير لمثل ذلك . كما أن الاعلام الجديد المتمثل حالياً ، في وسائل التواصل الأجتماعي والسوشيال ميديا . قد جعلت هذا الأمر يخرج بدرجة كبيرة نسبياً من يد السياسيين والأيدلوجيين . وهكذا أصبحت هذه الظاهرة الجدلية بين الوجود واللاوجود ، وبين النفي والإثبات . والله اعلم 

                                                                                                                   فتحي عبد العليم