بسم الله الرحمن الرحيم

               كتاب الفيلسوف 

الكتاب هو "الإسلام بين الشرق والغرب" . والمؤلف هو الزعيم البوسنى الراحل "على عزت بيجوفيتش" . والكتاب من أفضل ما كتب عن الإسلام فى عصرنا الحالى والكاتب هو شخصية فذة تكاد تكون نادرة ، وسط جحافل من رجال الباطل ووسط ركام من الأباطيل والسخائم والضلالات التى يموج بها العالم شرقاً وغرباً . شهد له الجميع بالوفاء للفكرة وصدق العقيدة والتوجه ، فيما عدا حاقداً أو عدواً . أحدث الكتاب دوياً كبيراً عند صدوره فى الثمانينات من القرن الماضى ، باللغة البوسنية ثم ترجم بعد ذلك إلى الإنجليزية ثم إلى العربية . قال عنه المفكر المصرى الكبير "عبد الوهاب المسيرى" ، أنه رجل جمع بين الجهاد والإجتهاد وقل أن تجتمع هاتان الصفتان فى رجل واحد ، فقد كان سياسى وزعيم دولة وفى نفس الوقت مفكراً كبيراً وفيلسوفاً ذو ثقافة شمولية وعالية . ولد فى البوسنة عام 1925 م من أسرة محافظة على أصولها ودينها . والبوسنة تقع فى شبه جزيرة البلقان جنوب شرق أوروبا والبلقان كما يصفها علماء الجغرافيا والسياسة ، بأنها فسيفساء من المذاهب والأعراق والطوائف والأديان . وهى على الدوام تعتبر قنبلة موقوتة نتيجة صراعات وأحقاد تاريخية منذ كانت الدولة العثمانية فى تلك المنطقة . عاش الرجل تحت مظلة دولة شيوعية وهى "يوغسلافيا " والتى كانت البوسنة إقليم منها . والشيوعية كما هو معروف نظرية وأيدلوجية مادية إلحادية . تنص المادة رقم 2  من "المانفيستو الشيوعى" أى البيان الشيوعى الصادر عن الثورة الشيوعية البلشفية فى روسيا عام 1917م على انه "لا إله والحياة مادة " . درس الطالب على عزت القانون وتخرج من جامعة "سراييفو" ، على غير رغبة والده الذى كان يرى أن القانون والمحاماة ، ليس لها مستقبل فى ظل نظام شيوعى مستبد . وكان يفضل له دراسة "الزراعة" . تجرأ الشاب بيجوفيتش بمعاونة عدد من زملائه على إصدار أول كتاب له بعنوان "البيان الإسلامى" . وكان ذلك بداية المحن بالنسبة له ، فتعرض للملاحقات الأمنية والسجن والإعتقال عدة مرات ، ولكن لم يزده ذلك إلى صلابة وتمسك بمبادئة ومعتقده . واستغل جل أوقاته رغم الحياة الغير طبيعية التى يحياها فى البحث ودراسة كل المذاهب والفلسفات والنظريات الفكرية من رأسمالية وشيوعية واشتراكية وعلمانية وليبرالية ووجودية وبرجماتية وديمقراطية وداروينية وغيرها الكثير . ولكنه درسها بعقلية العقل الناقد الحر ، وليس بعقلية الرجل المسكين الذى يتلقى نصوص فى معلبات جاهزة دون نظر أو تمحيص . وقارن كل ذلك بما يملكه من الإسلام الذى درسه جيداً ووصل إلى الحقائق الكبيرة المطلقة وعرف الباطل من أعماقه . كان جهاد "على عزت بجوفيتش" ومؤلفاته سبباً فى جعله شخصية معروفة  بين أبناء شعبه ، ورأوا فيه شخصية قيادية يتوافر فيها الصدق والأمانة والجرأة والشجاعة . فأنتخبوه رئيساً لدولتهم الوليدة بعد تفكك دولة يوغسلافيا أثر إنهيار الإتحاد السوفيتى والمعسكر الإشتراكى فى أواخر الثمانينات .هنا جاءت المحنة الكبرى التى واجهها الرجل حيث تعرضت البوسنة إلى حرب إبادة أهتز لها العالم على يد الصرب والكروات وبتواطؤ من العالم الغربى المجرم . ووقف الرجل يحارب ويجاهد بما يملكه من إمكانبات قليلة . وأنتهت الحرب والمأساة بإتفاقية "دايتون " المعروفة . أما عن الكتاب وفكر الرجل ، فقد أوضح أن العالم الإسلامى يقع وسط قارات العالم ، وكذلك الإسلام هو وسط بين الأديان والمذاهب . وأن الإسلام يجمع بين المادية والروحانية ، على خلاف اليهودية التى أوغلت فى المادية والمسيحية التى ذهبت إلى الرهبنة والروحانية . وضرب مثلاً بالعبادات وأهمها الصلاة ، ففيها وضوء وطهارة وحركات واضحة ومحددة يقوم بها الجسد وكل ذلك تعبير عن المادة . وفيها أيضاً خشوع وتلاوة قران ودعاء وصلة بالله وكلها أمور روحانية . وأوضح أن الإنسان يتكون من ثنائية وهى المادة والروح . فالجسد مادة والروح هى النفخة الربانية التى أودعها الله فيه . بينما النفس هى لقاء بين المادة والروح . وأوضح أيضاً ، أن الإنسان كائن ربانى وليس كائن طبيعى كما يدعى الماديون وأتباع دارون أنه تطور من قرد حتى صار حيواناً ناطقاً (القردة العليا). وأوضح أن الإسلام وسط بين الرأسمالية والإشتراكية , فالرأسمالية تعلى من شأن وقيمة وحرية الفرد على حساب المجتمع . أما الإشتراكية فهى تعلى من قيمة المجتمع على حساب الفرد . وتسحق هذا الفرد وتجعله ترساً فى ألة لا حقوق له ولا ملكية خاصة له . أما الإسلام فهو يوازن بين حقوق الفرد وحقوق المجتمع . كذلك أستعرض "بيجوفيتش " حياة المواطن الغربى المليئة بالقلق والتوتر والخوف من عدم الفدرة على سداد الديون والقروض الربوية التى يعيش فى ظلها طوال حياته وتظل ملازمة له فى كل سنوات عمره . وأتى بإحصائيات دقيقة عن حالات الإنتحار والأمراض النفسية فى المجتمعات الغربية ، فى ظل حياة مادية لا خلاق فيها ولا رحمة فيها . وهنا يفضل أن نذكر مقولة المفكر الغربى "وليم تشتيك " التى وصف فيها عمق الأزمة الغربية ، حين قال : أن العصر والفكر الحديثين ، يعانيان من عدم وجود مركز واحد ، أو إتجاه واحد أو هدف واحد أو أى غرض واحد على الإطلاق .  وهذا طبيعى لأن وجود الإله الواحد يتم بموجبه إيجاد المركز الواحد ، وتوحيد الإتجاه والهدف والغاية . أما مفكرنا البوسنى الكبير فقد لخص أزمة العالم الإسلامى فى جملة واحدة ، عندما قال : تعانى المجتمعات الإسلامية من أمية لعامة الناس ، ونخبة تعلمت خطأ . وهكذا ما بين أمية العامة والتعليم الخاطئ للنخبة ، ضاعت مقدرات العرب والمسلمين . رحم الله هذا الرجل فقد أوضح الحقيقة الشاملة والمطلقة وبين أوهام وزخرف الباطل .ولكن نحن نعيش فى عالم لا يتعلم ،  هو يتعلم فقط قوانين  وأسرار المادة أما نحن المسلمين فلم نتعلم لا مادة ولا روح . كم ابتعدنا عن الإسلام ، وكم أبعدناه عن حياتنا ومسارنا ، وعن قلوبنا ووعينا ولا حول ولا قوة إلا بالله . 

                                                                                      فتحى عبد العليم