كنت في منطقة ما في وسط الخرطوم ، كنت مترجلا ورأيت بعض بائعي الكتب كالعادة يفترشون الارض وهم في سجال مع الترتيب والتنظيف ، لم يشدني أحدهم لأني أعلم بعضا منهم وكذلك ما يبيعون من كتب ، وبعد أن التقيت بشخص وأجرينا حديث لم يستغرق عشرة دقائق قمت بالعودة في نفس الشارع وإن باعة الكتب كما هم ، فرأيت واحدا منهم غير مهتم بما يبيع ، بل ممسكا بصحيفة وكأنها مهترئه تماما فقلت في نفسي يبدو بأنني سأجد عنده كتابا جيدا ، فالمظاهر غالبا تخدعك لكن النظرة المطولة والشيء الذي على غير العادة -ليس كالباقون يُنظفون ويرتبون كتبهم- اي المخالف للنهج الطبيعي يجعل نفسك تساورها الشك ! إثنان لا ثالث لهما ، بائع كتب سئم من العمل الذي يؤديه ويريد ان يبيع ما تبقى لديه من كتب ويرحل من حيث أتى ، او شخص من كثرة ما قرأ اصبح لا يستهويه ان يجذب إلية المارة ، وتريثت ووقفت امامه لكنه لم يعرني اي انتباه ، بل طوى صحيفته والق عليه نظره سريعه وعاد ثانيا الى ما كان يقرأه ، فوجدت كتبه مبعثرة غير مرتبه بل كأن ريحا شرقيا هبّت عليه وهو مستلقي فبعثرت كتبه ، القيت نظرة سريعة على كتبه مابين الثلاثون والاربعون كتابا لن تفوق هذا العدد بتاتا ، فسألته أريد هذا الكتاب ، فطوى صحيفته ووقف وأخذ خطوتان نحوي ووقف كما أقف انا تماما ، اي اصبح ظهره للشارع والمارة ووجهينا نحو الحائط الذي كان هو مستندا عليه قبل قليل ، اندهشت من تصرفه ! هل يريد ان يشتري كتابا من كتبه هذه ؟ سخرت من نفسي وليس منه ، لكن ما الدافع الذي يجعله يفعل ذلك ؟ ويقف جواري وكانة مشتري وليس هو البائع نفسه !

وسألني: هل تعرف ماذا يدل إسم هذا الكتاب ؟

قلت له: هل تختبر مشتري كتبك قبل ان تبيعهم الكتب؟

أبتسم وقال لي: لا اريدك ان تشتري كتابا لن تستفيد منه او سوف تضعه في مكتبتك ولن تقرأه ، لانك ان بدأت بقراءته ووجدت فيه ما يغالط مفاهيمك او ظننت ان الكتاب عن شئ وظهرا لك إنه عن شئ اخر ستضعه في أقرب سلة للمهملات ، فهل تعلم ماذا يريد هذا الكاتب (وقام بزكر إسم الكاتب) ان يُخبر القراء؟

فقلت نعم أعلم ، تقريبا انه يريد ان يتحدث عن فكرة كذا وكذا

فقاطعني بسؤال: ماذا تعمل ؟

قلت له أظن بأنني ..... (وزكرت صفة مهنتي)

فقال: لقد مرّ زمان طويل على مشاركتكم فعليا في السياسة ، منذ سنة وقاطعته واجبت 85

فقال لي التاريخ ، أهمه شي في حياة الإنسان ، إنه التاريخ لأنه .. وقاطعته مجددا لأنه يُنبئ بالمستقبل أحيانا

قال لي لقد نجحت في الإختبار خذ الكتاب بدون مقابل ومد يده وقال لي فلان ومددت يدي وقلت له فلان

قلت له لن آخذ شيئا في حياتي دون مقابل طالما حيّت

فكم ثمنه ؟ فأجاب مجددا دونما مقابل

فظننت في بالي إنها حيلة الرجولة المتبعة من بعض الأشخاص اي ان تتصنع الرجولة وتعطي الذي أمامك أعلى سعر يمكن ان يأخذه أحد في كتاب مثل هذا (الظنون) فقلت له لا أريده دون مقابل او ساعطيك كذا

وقال: إنه ضعفان قيمة الكتاب ، فقط النصف.(الظنون سيئة) ولو علم أحدا قيمة النصف لاستحى من مدى زهد هذا البائع

قلت له لا يا فلان .. لا يجوز إنه كتاب لي ..(وذكرت إسم الكاتب)

فقال لي بعد ان تقرأه أعطيه لغيرك

قلت له لن استطيع فعل ذلك ، لذلك خذ قيمة الكتاب كاملة لأني لن أعطيه لاحد بتاتا حتى ان كان لي إبن وطلبه مني لن أعطيه له

قال لي لماذا ؟

لكي لا يؤرق نفسه بأمور لاجدوى منها ويزعج باله باشياء مرهقة

أبتسم وقال لي ولماذا تريد ان تؤرق نفسك بها ؟

قلت له نفسي وأنا حرا بها وان سقطت في البحر لا يهم لكن ان أتعب نفسا ورائي بدون سبب هذا شئ مزعج 

قال لي لذلك لم تتزوج حتى الآن ؟ هل خفت من ان تُتعب من ورائك بارث ثقافي ثقيل ؟

قلت له لا يهم الإرث الثقيل ، الذي يهم هو الحب ، ان إستطاع ان يحب هذا العالم ومابه من بشر سيتحمل اي شي مهما كان ثقله

فقال: وانت بكل هذا الحب لشخص لم تراه حتى الان ! انك ايضا تُحب العالم ؟

قلت له: نعم بدأت أحب الحياة لكن العمر مضى ..

فقال لي هؤلاء هم المثقفون يحملون همّا لاشياء لا وجود لها ..

فابتسمت وقلت نعم لا وجود لها لكن العقل يجرد الأشياء أحيانا من طبيعتها فيجعلها عاربة كي ترى الحقيقة كما هي بدون مؤثرات تجميلية ، وما أسوء الحقيقة في هذا العالم وفي هذا الكتاب وفي هذه البلد (ولفد خلقنا الإنسان في كبد)

ودفعت ثمن الكتاب وأخذت الكتاب ورحلت ومازال يندهني يا فلان خذ الباقي خمسة جنيهات

قلت له من بعيد اكرمتني جدا بهذا الكتاب ، كان علي دفع المزيد والغريب في الأمر انت الذي تريد ان تعطيني ماتبقى من مال وذكرت له ماقاله لي قبل قليل (ألم تقل لي بان المثقفون يضعون احمالا ثقيلة لاشياء لا وجود لها)

وذكرت له نصا لمحمود درويش «عش ليومك لا لحلمك كل شيء زائل فاحذر غدا وعش الحياة الآن في امرأة تحبك عش لجسمك لا لوهمك وأنتظر ولدا سيحمل عنك روحك فالخلود هو التناسل في الوجود» 

وذهبت مرير النفس لأني لم أستطع ان اوفيه حقه ليس لشح المال لدي بل لأني أعرف كرامة هؤلاء الباعة لا يمكن ان تتفضل عليهم ولا هم يهتمون بالمال أنفسهم كريمة انهم المثقفون ،، وأناس حقيقيون بينما القتله والذين بلا ضمير يجلسون علي كراسي الحكم والسادة وينجبون ويلهون بكل شئ حتى بمصير شعوبهم وبائع كهذا لا يستطيع ان يقبل عن نفسه خمسه جنيهات.

يا الله أعطني القدرة لاتحمل ما أراه من واقع وبؤس وليس في بدي ان أفعل شيئا سوى الكتابة ولا احد يقرأ ولا أحد يعي انها مسرحية الحياة .. كل شخص يسير لكن لا أحد يعلم إلى أين ينتهي به المصير ! لان مصيرنا اصبح مرهونا بساسة أوطاننا ، سلامي على وطني وعلى شرفائها سلام عليكم أينما حللتم جميعا .. 

يوسف نبيل