وتتواصل عملية تلميع الكوادر الحزبية التي اشتهرت في الثورة ويتم تلميع الجدد منهم حتى يتواءموا مع اقرنائهم السابقين ، كي تقدم لنا الاحزاب في كل مرحلة وجوه جديدة حتى لا نمل منهم بل نبقى متابعين بشوق ولهفة لبقية رموز ثورة الأحزاب.
والجدير بالذكر أن تلك الرموز اشترتها الأحزاب لتحقيق غاياتها الرمزية لإثبات للمجتمع الدولي بأنهم السلطة الأجدر في خداع الشعب اي في استقطاب الشباب ، مع العلم بأن هذه النخب السياسية الشبابية تسولت الأحزاب كي ترعاها وتحتويها وتوفر وتسهل لها جميع الإحتياجات السياسية لتسهيل العمل السياسي لدفعهم للمواقع والمناصب الحكومية ، فلا يوجد شيء مجاني في السياسية.

وما يحدث الآن في الساحة السياسية السودانية عبارة عن تسميل الإدراك الشعبي للواقع المؤلم والنهج الخاطئة المتبعة ، اي تلطيف الواقع بدلا من قول الحقيقة واضحة وقبيحة ومخزية ، ليقم الساسة بدورهم الأصيل في خداع الشعوب بتهوين الحال علينا وتزويق الحقيقة حتى تصبح ملائمة للذوق العام لهذه المرحلة الرثّة والتي سوف تتواصل معنا طيلة ثلاثة أعوام .ولتجنب خدش حياء الواقع الاقتصادي لذلك يتم تهوين الهوائل ببعض التمنيات والوعود ودعوات ادعاءات العمل الجاد ، ظننا منا بإمكانية إصلاح الحال ويقينا منهم بأن الوضع لن يتغير من ماهو عليه بل سيتردى أكثر في هذه الثلاث سنوات.

فالتسميل هو الطريقة الموازية للتهوين الديني الذي كان يمارس علينا ، اي ان التسميل هو البديل الثقافي الديمقراطي الأنيق.

في زمان الإنقاذ كانوا يهونون علينا الحال بأن نصبر لأن أجرة وجزاء الصبر عظيمة من الله وبها فضائل تعلو من قيمة الإنسان عند ربه أما التسميل فهو تهوين وتلطيف الحقيقة بالمنطق أي تنميق الكلام وتزويقه. ألم أقل لكم باننا أطعمنا دينا من الانقاذ حتى زهدنا عن أنفسنا وأصبح المواطن السوداني متصوف في أبسط حاجاته من المأكل والملبس والمسكن. والآن سنطعم جدل وثقافة وبرغماتية حتى نصبح فلاسفة في عصر حمدوك الرقيق ، لكل عصر في التاريخ طرق وأساليب خداع والان اتى عصر خداع الكلام الثقافي اللبق الذي يثري الروح لكنه يُجيع النفس ايضا. فكلام الساسة لا طائل منه ، لانه لا يتعدى حدود الكلام المنطوق به ، أما المفعول مازال ممنوعا من كل شيء بلا إعراب ولا قافية.
علينا ان نجد للاشياء معنى والا فما جدواها ؟ فما معنى الحكومة المدنية للشعب حتى الآن؟ لا شيء  فلا جدوى منها. فلا تعتبر هذه الحكومة ذات فائدة ،لأنه لايوجد تغيير حقيقي ، لقد غُيير نظام الحكم دون تغيير النظام السياسي ! لقد غُيّير نظام الحكم من انقاذية الى براغماتية حزبية لكن مازال النظام السياسي قائما ، اي مازال الفساد مستثمرا دم واحلام الشعوب ، وحين ادعوا بأنهم القوى الجامعة للحرية والتغيير، كانوا يقصدون بالحرية الثرثرة الشعبية ثرثر بما شئت ، وبالتغيير الشمولية الحزبية اي شكل التغيير شمولي على طبق حزبي كامل النهم بمكتسبات الثورة اي كما يدعي أشقائنا (ولاد المحظوظة). لقد نجح الأطباء في زراعة كل شيء -تقريبا- في الانسان الا الضمير الإنساني لدى السياسين.

ولم تعد تعتبر السياسة صناعة بل تجيّش الرأي العام لان الصناعة حرفة تحتاج الى مهارة نوعية ترتقي إلى حد الصفوية بالموهبة والإلهام ، وأحيانا تكون فكرية ذات طابع ارستقراطي نبيل ، لكن ما يحدث الان في السياسة أصبح تجيّش العواطف ، فالعواطف أنبل المشاعر في الكيان الإنساني لكن أكثرها خذلان لنا لذلك سنخزى كثيرا ما دمنا نفكر عاطفيا في السياسة أي بالتعاطف السياسي ، لماذا لم نتعلم الدرس من عاطفتنا تجاه الإنقاذ ؟ انظروا أين نحن الآن

ونحن لا نحتاج الى نظام سياسي بل إلى انضباط سياسي، فالانظمة السياسية وجِدت وحدِّثت كي تنظم العمل العام الداخلي والخارجي ووضع الضوابط والأطر العامة للدولة وتقليل التناقضات الاجتماعية حتى تتساوى الفرص ، فإن الانضباط السياسي هو العنصر الفاعل لتغيير سوء إدارة البلاد  والإلتزام بمنهجية العمل المدعاة من قبلهم في انهم سيكونوا واقعيين في عملية الشد والجذب السياسي ويحرصوا على إتخاذ قرارات ذات أثر اجتماعي فاعل في تسهيل وتسير حياة الانسان السوداني.
الأنظمة السياسية هي مرآة إجتماعية لذلك يجب إزاحة أي هيمنة حزبية علي قنوات الفكر السياسي وإتاحة كامل الحرية للنخب الفكرية المستقلة لبناء قنوات فكرية لا تخضع لأي سلطة حزبية لتأسيس منهج فكري حر وسليم وتعريفات بسيطة عن معاني المصطلحات السياسية كي يتربى هذا الجيل الثوري على معاني العدل والإنصاف والصدق وكيفية إستخدام الحريات والاستفادة منها ، وتجنب المبالغة في مسايرة أهواء الأحزاب كي تنموا السبل السياسية للعمل المجتمعي للمواطن لبناء دولته وتحديد السبل لحماية وحضانة تلك الحقوق لنا ولمن سيأتي بعدنا

ولا اخفي عليكم امرأ وان غدا لناظره قريب ، ان البراغماتية هي الامتداد الحضاري للميكيافيلية  بصورة ألطف ولغايات خاصة بهم وواقعية تتماشى مع حرية العصر الذي نموت فيه الآن ولا تحيا فيه سوى الأغاني الوطنية.

وإن التوازن السياسي الذي تدعيه الحكومات والأنظمة لم يتحقق إلا في ادعاءات وسائل الإعلام ولن يتحقق حتى يتم إشراك قيادات مجتمعية تعكس الرؤى الفئوية الخاصة بطبيعة كل بيئة اي بالدراسات الإجتماعية للأخذ بعين الإعتبار الحراك المجتمعي لتصبح الشمولية شمولية الشعب ، فان شمولية الشعب حرية بينما شمولية الاحزاب دكتاتورية.

وان دور الاحزاب المعارضة (الحرة) أكثر أهمية من دور النظام الحاكم نفسه ، فمن أولى اجنداتها في العمل السياسي كله ان تبين للعامة مدى خلل وانحراف النظام عن مساره ، لكن الأحزاب في زمن الإنقاذ أظهرت جبنا وضعفا لا مثيل له خاصة الراديكاليين من اليسار واكتفت الأحزاب بالانقسام الي قاعدة مصفقة موالية للرئيس كي تتسول بعضا من المناصب ودور الاستشارين (الذين لا يستشارون من الأساس) وأخرى تبدو معارضة لكنها أكثر موالاة من نظيرتها المتسولة ، حتى يتسنى خداع الشعوب بصورة جمالية اكثر احترافية كي يتسنى الظهور للمجتمع الدولي باننا نحظى باحزاب لها حرية الاعتراض لكي يتجلى الدور السينمائي السياسي للأحزاب. لكن الحقيقة كلها تكمن في ان المجتمع السياسي الداخلي الحزبي كله كان يعمل مع النظام السابق، وإلا بماذا تفسرون بأنهم كانوا قابعون ثلاثون عاما دون ان يوضح اي شيء جلي للعامة ؟ ولأن تعريف الأحزاب هو ذلك الكيان المعني بالدرجة الاولى والاخيرة التوضيح للعامة مدي قصور النظام الحاكم ، والتعبير عن أحقية تلبية إحتياجات الموطن وتشكيل صوته المسموع واعلاءه ، أي أن الاحزاب هم برلمان الشعب المعارض للنظام وإلا فما هي فائدة الأحزاب ؟
ولم نسمع يوما باي حزب -ولا حتى اليساريين أنفسهم أو الراديكاليين الذين يتغنون بمعتقداتهم ومواقفهم البطولية- يوضحون لنا موقفهم من انقسام جنوب السودان بصورة جليّة للشعب؟ ولم يُظهروا للعامة ما كان يدار ويحاك ضدنا وضد دولتنا ولم يعبروا حتى عن معنقداتهم الثورية ولا عن آرائهم الحزبية ، فكل ما كان يحدث كان سرد للدور التاريخي السياسي لإعلان استقلال السودان ودورهم في ثورة اكتوبر وعن ثورتهم على اكتوبر نفسها في مايو 69 وعن ثورة 19 يوليو التصحيحية 71. ما هذا الكم الهائل من المهازل ! هل أصبحت السياسة التغني بالتاريخ؟ أنجلس كما الصبية في المدرسة لتحكوا لنا كيف استشهد ماركس ! ان السياسة معنية بتغير الواقع أكثر من تفسيره ، الم يقل لكم ماركس ذلك ! (لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم وفهمه بطرق شتى ، أما الهدف فهو تغييره)

ولماذا لم يقدموا لنا برامج توعية سياسية حتى وإن استدعى الأمر بان تكون مبثّة من الخارج حتى لا تطالهم المسؤولية والمحاسبة في حال ابتدروها من الداخل؟ ذلك لأنهم لا يهتموا بمصالح الشعب ولا بمصلحة الوطن بل بالكسب السياسي الذي سيناله الحزب بعد تغيير النظام ، بل ساهموا في ازدياد المعاناة على الشعب بل وضعوا احمالا واثقالا جمّة بسكوتهم وهم اهل العلم بالتاريخ وبالعمل السياسي.

لقد أثرت التجارب الغربية الإرث السياسي الإنساني الحضاري من خلال تجاربهم وخطّوا لنا تاربخ سيتكرر بكل حذافيره في كامل المنطقة العربية وهذا ما تغفل عنه دول الخليج ذات الأنظمة الملكية ،ألم يسال احد أبناء زايد: لماذا سقطت الملكية في فرنسا وكيف استبدلت بنظام ديموقراطي حر مازال يدرّس حتى الان ! الم يسأل الأمير محمد بن سلمان كيف سقطت الملكية في العراق في عهد الملك فيصل الثاني وكيف سقطت الملكية في ايران واستبدلوا بهلوي بجمهورية إيران الاسلامية ؟

ألم يسأل الشعب السوداني عن احقيته في خلق ثورة شعبية حقيقية من دون دعوى الأحزاب التي خذلتنا أكثر من 63 عاما ؟ النصيحة الذهبية تقول (لا تعود إلى من خذلك كي لا تموت مرتين) لقد متنا مرارا ومازلنا نحاول الحياة مجددا في عباءة الأحزاب.