سنتحدث في هذا المقال عن أحد العظماء المعاصرين، والذي أفنى عمره في خدمة دينه وبلده، وأحدث هزة كبيرة في واقع الأمة لا تزال آثارها باقية وممتدة حتى الآن، وهو السياسي والقائد التركي نجم الدين أربكان .

وسنتناول سيرة هذا العظيم من خلال ثلاث محاور:

أولا الظروف المحيطة به:

نجم الدين أربكان مهندس وسياسي تركي، أحدث تغييرا كبيرا في الواقع السياسي والاجتماعي التركي، وحرك المياه الراكدة في واقعها المختل منذ سنوات طويلة.

ولد أربكان في مدينة سينوب المطلة على البحر الأسود، كان تلميذا متفوقا وذكيا، تخرج من كلية الهندسة في جامعة اسطنبول عام 1948، تم تعيينه معيدا بالكلية ذاتها، ثم أرسلته جامعته إلى بعثة علمية في جامعة آخن الألمانية، ليحصل على الدكتوراة من هناك عام 1956، عمل أثناء دراسته رئيسا لمهندسي الأبحاث في أحد المصانع الألمانية، وقد توصل أثناء عمله لابتكارت جديدة لتطوير صناعة محركات الدبابات، ثم عاد أربكان إلى بلده وفي عقله حلم أن يطور الصناعة القومية التركية، وعين عند عودته أستاذا مساعدا، ثم ترقى في الدرجات العلمية ليصل إلى درجة بروفيسور، وقام بتأسيس مصنع المحرك الفضي هو وثلاثمائة من زملائه، وقد تخصص هذا المصنع في تصنيع محركات الديزل، ذاع صيته في الأوساط الأكاديمية والصناعية كواحد من رجال الصناعة في تركيا، وتولى عدد من المناصب التجارية والاقتصادية .

وكانت الأوضاع في تركيا في هذه الأوقات في غاية السوء والصعوبة، فمنذ سقوط الخلافة العثمانية وإلغائها عام 1924 قام حزب الشعب الجمهوري العلماني الذي أسسه أتاتورك بمعاداة كل ما يمت للدين بصلة، وبمحاولة نزع الدين من حياة الناس، وفرض العلمانية بالقوة، وعمدوا إلى تغيير هوية الدولة، فقاموا بإلغاء اللغة العربية، وجعل الآذان بالتركية، وحظر الحجاب، وإغلاق المدارس الدينية ومراكز تحفيظ القرآن والمساجد، ولغوا منصب شيخ الإسلام، وجعلوا العلمانية مذهبا للدولة حرموا الخروج عليها، وجعلوا الجيش حاميا للعلمانية، متسلطا على الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد، وقاموا بقمع كل محاولات العودة إلى الدين أو الهوية، فقتلوا واعتقلوا ونفوا آلاف الناس، كما كانت الأوضاع الاقتصادية متردية ومتأخرة.         هذه كانت هي الظروف التي نشأ فيها هذا البطل فيا ترى فماذا فعل؟

ثانيا التغيير الذي أحدثه :

كان بطلنا يراقب كل تلك الأوضاع عن كثب، وهو الإسلامي الذي تربى في كنف الطريقة النقشبندية، وتشرب حب الإسلام، وكان يحلم بالتغيير، ويطمح أن يعود الناس إلى دينهم وهويتهم. فوضع فلسفته في التغيير التي تمثلت في التغيير السلمي، والعمل الإصلاحي المتدرج وفقا للدستور والقانون، والعمل الحزبي، وانتزاع الحقوق، والصبر، وتحمل المصاعب مهما كانت تبعاتها، وتجنب المواجهة المباشرة مع العلمانيين، ثم انطلق إلى العمل والكفاح المتواصل.

بداية الرحلة

إنضم أربكان إلى حزب العدالة وأصبح عضوا بارزا به، ولم يخف ميوله الإسلامية الواضحة، مما حرك دعاة العلمانية فقاموا بعمل حملات إعلامية ضده جعلت الحزب يستبعده من قوائمه الانتخابية عام 1969، فترشح أربكان كمستقل عن مدينة قونية، وفاز في الانتخابات، وأصبح عضوا في البرلمان .

حزب النظام الوطني:

بعد دخوله إلى البرلمان قام أربكان بتجميع النواب الإسلاميين، وأسس حزب النظام الوطني عام 1970، الذي كان أول تنظيم سياسي ذو هوية إسلامية تعرفه الجمهورية التركية، والذي لاقى قبولا كبيرا لدى الشعب التركي، مما شكل اختراقا كبيرا للنظام العلماني جعلهم يشعرون بالخطر، فصدر أمر بحل الحزب، ومصادرة ممتلكاته، ومنع شخصياته من الإنضمام لأي حزب آخر، أو تأسيس حزب جديد، أو الترشح في الانتخابات كمستقلين، وذلك بتهمة عدم موافقة الحزب للاتجاهات الأتاتوركية.

محاولة جديدة :                                              لم ييأس البطل وعاد بعد 17 شهرا، وقام مع مجموعة من رفاقه بتأسيس حزب السلامة الوطني عام 1972، الذي تولى رئاسته رفيقه سليمان عارف، ليدخل الحزب الانتخابات ويحصد 48 مقعدا، ثم يعلن عارف إخلاء موقعه لأربكان، ثم شكل الحزب ائتلافا وزاريا مع حزب الشعب حصل فيه أربكان على منصب نائب رئيس الوزراء، وحصل فيه الحزب على سبع حقائب وزارية، وهو أول اختراق للسلطة التنفيذية العلمانية في تركيا، واستغل أربكان وحزبه وجودهم في الحكومة لتحقيق العديد من الإنجازات على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فقام بعمل حملة للصناعات القومية مركزا على الصناعات الثقيلة وافتتح 70 مصنع في خلال سنتين، وكذلك افتتح ثلاثين مدرسة دينية، وجعل مادة التربية الدينية إلزامية للمرحلة الأساسية من التعليم، كذلك قام جناح أربكان في الحكومة بالضغط على الحكومة فصوتت تركيا لأول مرة لصالح الحق الفلسطيني في استرداد الأرض، واعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني، كما صوتت إلى جانب القرار الدولي الذي يعتبر الصهيونية حركة عنصرية، وكان أربكان يقود المظاهرات المنادية بحقوق الشعب الفلسطيني بنفسه، كل ذلك بالطبع لم يكن على هوا ولا رضا العلمانيين، الذين بدأوا يستشعرون الخطر ويتحرك الحقد بداخلهم.

وفي عام 1980 قام الجيش بعمل انقلاب عسكري تسلم فيه العسكريون مقاليد الحكم في البلاد، وتم توجيه التهم لأربكان وأعضاء حزبه، تتمثل في حرص الحزب على إعادة المباديء الإسلامية، ومعارضة المباديء العلمانية.                            حزب الرفاة والوصول للسلطة:                             وما أن تم رفع الحظر عن تشكيل الأحزاب عام 1983، حتى تم تقديم أوراق حزب جديد يسمى حزب الرفاه، وذلك بتنسيق من أربكان ورفاقه، فتم قبول الحزب، وما أن رفع الحظر عن أربكان ورجاله حتى أنضموا إلى حزب الرفاه، وأصبح أربكان رئيسا للحزب، حصل حزب الرفاة على 21% من إجمالي أصوات الناخبين عام 1995 ليصبح بذلك أعلى الأحزاب حصولا على الأصوات، ثم دخل الحزب في إئتلاف مع حزب الطريق المستقيم، وتشكلت الحكومة، وأصبح أربكان رئيسا لها، فقام أربكان بتقديم رؤية لإنقاذ الاقتصاد التركي، وقام أيضا بالدعاية لسوق إسلامية مشتركة، وسمح لموظفات القصر بارتداء الحجاب، وقام ببناء مسجد ضخم في ميدان تقسيم وآخر في محيط القصر الجمهوري. وكعادة الجيش تحرك بحقد علماني عسكري دفين، وصعد ضغوطه على الحكومة، وطالبها بتنفيذ 16 مطلب لحماية العلمانية، التى كان منها حظر الحجاب، ووقف بناء المساجد، وإغلاق مراكز تحفيظ القرآن، وبالطبع لم يوافق أربكان على تلك الإملاءات، وقد أستقالته عام 1997، وتم حظر حزب الرفاة، وتقديم أربكان للمحاكمة العسكرية، ومنعه من مزاولة السياسة لمدة خمس سنوات.

حزب الفضيلة:

وفي هذه الفترة قام رفاق أربكان التقليديون بتأسيس حزب جديد سمي حزب الفضيلة، الذي خاض انتخابات 1999 وفاز ب 115 مقعدا، إلا أن هذا الحزب واجه نفس مصير الأحزاب السابقة وهو الحل.

التلاميذ يتفوقون:

في هذا الوقت تشكل اتجاه جديد من شباب الإسلاميين ، الذين تتلمذوا على يد أربكان وكانوا أعضاء في حزبه، بدأ هؤلاء الشباب يفكرون في تغيير أساليب الصراع وأدواته، واتخاذ أسلوب المواربة والتحايل من أجل الوصول للهدف دون الدخول في صدام مباشر، حتى يتم التمكن من السلطة ثم سحب الصلاحيات من العسكريين تدريجيا، وكان يقودهم ثلاثة شبان هم رجب طيب أردوغان وعبد الله جول وأحمد داوود أوغلو، فقاموا بإنشاء حزب العدالة والتنمية، وحصدوا الأغلبية ووصلوا إلى الحكم ورئاسة الوزراء عام 2002، ورئاسة الدولة عام 2007، ولم يتركوا السلطة حتى الآن، وحققوا خطتهم العبقرية في مواجهة العلمانية العسكرية في تركيا، وكذلك حققوا نقلة اقتصادية واجتماعية هامة، وبدأوا في تحقيق طموحات وأحلام وخطط معلمهم أربكان.

البطل يعود:

هذا البطل الذي لا يستسلم أبدا عاد بعد انتهاء الحظر المفروض عليه عام 2003 لتأسيس حزب السعادة الذي تولى رئاسته، ولكن أيضا تحركت العلمانية ضده، وتم رفع دعاوى قضائيه ضده، ووجهت له العديد من التهم الواهية التي جرى على إثرها الحكم عليه بالسجن وقتها وعمره 77 عام، لكن تلميذه عبد الله جول الذي أصبح رئيسا للجمهورية قد أصدر عفوا عام عنه بسبب حالته الصحية، ليعود أربكان لرئاسة حزب السعادة حتى وافته المنية في 27 فبراير 2011.

ثالثا الآثر الذي تركه:

 مات البطل بعد رحلة طويلة من الكفاح والعطاء في عالم السياسة، وقد تناولنا سيرته نظرا لما تمتع به من عزيمة وإصرار، وحب لدينه ووطنه، فهو لم يعرف اليأس رغم كل مر به، ورغم شراسة عدوه، وظل متمسكا بمشروعه لآخر لحظة في عمره، كما أنه أرسى قواعد جديدة في اللعبة السياسية التركية، وجعل الجميع يحذو حذوه، واصبح قدوة لكل من أراد التغيير ومن امتلكه اليأس، كما أنه ترك من خلفه رجال حققوا مشروعه، ونفذوا أفكاره ولا يزالون.

مصادر:

مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

نجم الدين أربكان الصعود إلى السلطة 

https://islamstory.com/ar/artical/26144/%D9%86%D8%AC%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D9%83%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%A7%D9%87%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A