تحدثنا في المقال السابق عن بداية الحملة الصليبية الأولى واليوم نكمل، فبعدما توغل الصليبيون في بلاد المسلمين بدأت تظهر لديهم الرغبة في ترسيم قواعدهم ببلاد الشام، فعملوا على إقامة إمارات ومملكة ليحكموا سيطرتهم على المنطقة.

1- أطماع بلدوين:

وعند وصول جيش القائد الصليبي "تانكرد" إلى مدينة طرطوس اشتبكت في صراع مع الحامية التركية فيها، وكادت تهزمه لولا ظهور جيش "بلدوین"، فاستسلمت المدينة ودخلها "تانکرد" أولا، رافعا عليها أعلامه متناسيا اتفاقية القسطنطينية التي تقضي بتسليم المدينة إلى الامبراطورية البيزنطية، واستقبله السكان الأرمن بالترحاب.

وهذا ما أغضب "بلدوين" الذي دخل معه في صراع، واستولى عليها، ورفض استقبال سرية مكونة من 300 جندي صليبي من اتباع تانكرد وتركهم يبيتون في العراء، فدهمتهم فرقة من الأتراك وأبادوهم عن آخرهم، وهو ما أصاب الجيوش الصليبية بالحنق، فاضطر "بلديون" إلى مغادرة المدينة، خاصة عندما نصحه أحد المقربين منه بالتوجه إلى مدينة "الرُها" على شاطئ الفرات، لأنها أخصب وأوسع وأعظم كثيرا من طرسوس.

طمع "بلدوين" في نصيحة الأرمني، وترك المدينة متجها ناحية الشرق، وفي الطريق وجد "تانكرد"، فدار بينهما قتال، ثم تصالحا في النهاية وأكملا الطريق لملاقاة الجيش الصليبي الرئيسي المتجه إلى أنطاكية.

2- تأسيس إمارة الرها:

ولكن عند وصولهم إلى الجيش الصليبي اجتمع زعماء الحملة الصليبية على لوم "بلدوين"، فاستغل هذا وانسحب بجيشه متجها ناحية الرها، وفي الطريق سلمت له كل المدن التي كان غالبية سكانها من الأرمن دون قتال، ثم وصل إلى "الرها"، فاستقبله أهلها الأرمن بالترحاب، وقد عبر ابن الأثير عن ذلك بقوله: "أن الفرنج كانوا قد ملكوا مدينة الرها بمكاتبة من أهلها لأن أكثرها أرمن، وليس بها من المسلمين إلا القليل".

وعقد "بلدوين" اتفاقية مع أمير "الرها" اليوناني "ثورس"، بأن يظل هو أميرها و"بلدوين" وريث فقط، ولكن "بلدوين" غدر بالأمير "ثورس" وقتله وتسلم مقاليد الحكم في المدينة، وذلك في 491هـ/مارس1098م، مؤسسا أول إمارة صليبية في العالم الإسلامي، وهي إمارة "الرُها".

موقع إمارة الرُها

3- استراتيجية بلدوين حكم في الرُها:

اتخذ بلدوين عدة خطوات لتثبيت أركان إمارته، كالتزاوج بين الصليبيين الغربيين والأرمن، وبدأ بنفسه حيث تزوج من الأميرة الأرمينية "أردا" ابنة أحد زعماء الأرمن.

كما عمل على توسيع رقعة إمارة الرها، فاتجه بجيش مشترك من الصليبيين والأرمن إلى مدينة شمساط (40 كيلو مترا شرقي الرها)، وكان على رأسها أحد السلاجقة الأتراك، الذي أدرك من الوهلة الأولى أن لا طاقة له بحرب الجيش الصليبي الأرمني، فطلب من بلدوين أن يقبل بشراء شميساط بالمال، ويوفر على نفسه القتال والحرب، وطلب الأمير التركي مبلغ عشرة آلاف دينار ذهب مقابل تسليم المدينة بشعبها، ووافق بلدوين على الفور، وتسلم المدينة المسلمة دون قتال.

كما كان بلدوين حريصا أن يحرر الأسرى الأرمن من السجون التركية، وخاصة في سميساط، وإرجاع هؤلاء الأسرى إلى عائلتهم الأرمينية دون مقابل، وذلك لكسب مودة الشعب الأرمني وتعاطفه.

كما أنكر تبعيته للإمبراطور البيزنطي، وتحلل صراحة من اتفاقية القسطنطينية، فحقق أحلامه بتكوين إمارة يصبح هو القائد الوحيد لها دون تبعيته لأحد، ثم إنه أرضى الشعب الأرمني جدا حيث إن الأرمن المتعصبين لمذهبهم كان يحنقون بشدة على المذهب الأرثوذكسي. والجدير بالذكر أن المذهب الأرمني أقرب إلى الكنيسة الغربية منه إلى الأرثوذكس، ولكنه ليس متطابقا معها، ومع ذلك فقد سمح بلدوين بالحرية العقائدية في إمارة الرها، ولم يضغط مطلقا على الأرمن لتقليد المذهب الكاثوليكي الغربي.

ثم حين تمكن من المدينة وتأكد من إحكام سيطرته عليها بدأ يرسل إلى أوربا يستقدم الصليبيين الغربيين، وهكذا حول إمارة "الرها" إلى قطعة من الغرب الأوربي، الصليبيون فيها ملاك الاقطاعيات، بينما الأرمن يعملون في الزراعة والتجارة تحت الهيمنة الصليبية.

وهذا ما أثار بعض الأرمن، فقاموا ببعض الثورات على حكم "بلدوين"، ولكنه تمكن من إخمادها، مما أدى إلى هدوء الأوضاع بعد ذلك في الإمارة بكاملها.

بلدوين في إمارة الرُها

وهكذا بالترغيب والترهيب، تمكن بلدوين من حكم هذه الإمارة في عمق العالم الإسلامي، وكانت هذه الإمارة هي حاجز الصد الأول ضد سلاجقة فارس وشرق العالم الإسلامي لوقوعها في الطريق بينهم وبين منطقة الشام وبيت المقدس، غير أنها من الناحية الأخرى كانت أضعف الإمارات الصليبية لبعدها عن بقية الإمارات الصليبية في الشام، ولعدم قدرتها على الإفادة من الأساطيل الإيطالية في البحر الأبيض المتوسط، ولكونها تحكم شعبا من الأرمن له أطماعه الخاصة، ثم لقربها من الموصل التي ستشهد - مستقبلا - نهضة إسلامية جهادية سيكون لها أثر في حياة إمارة "الرها".

أما بالنسبة للإمبراطور البيزنطي فإنه لم يستطع أن يفعل شيئا، لأن الرها كانت بعيدة عن مركز قوته، كما كان مشغولا جدا بأمر مدينة أنطاكية المهمة، التي يتجه إليها الجيش الصليبي الآن. 

إمارة الرها

وسنعرف تفاصيل ذلك في المقال القادم بحول الله.

المصادر:

1- ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج7

2-  رنسميان، الحروب الصليبية، تر: نور الدين خليل

3- فوشيه الشارتري، تاريخ الحملة إلى بيت المقدس، تر: قاسم عبده قاسم

4- وليم الصوري، تاريخ الحروب الصليبية، تر: حسن الحبشي

5-  راغب السرجاني، قصة الحروب الصليبية من البداية إلى عهد عماد الدين زنكي

6- طقوش محمد سهيل، تاريخ السلاجقة في بلاد الشام

7- قاسم عبده قاسم، الحملة الصليبية الأولى نصوص ووثائق تاريخية