1- أوضاع العالم الإسلامي قبيل الحملة الصليبية الأولى:

تميزت الأوضاع في بلاد الشام قبيل الحملة الصليبية الأولى (في القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي) بالتفكك والإضطراب في جميع مجالات الحياة.

أ- سياسيا:

تأثرت بلاد الشام بالصراعات السياسية والمذهبية الدينية التي حدثت في العالم الاسلامي، وقد كان الحاكم بأمر الله الفاطمي قد أحدث هذه الفوضى، وفي أول عهد سلفه –الخليفة الظاهر- كانت سورية تكاد تكون خارجة عن نفوذه فقد استولى صالح بن مرداس (415هـ-1025م) على حلب وما إليها، وأغار حسان بن جراح الطائي على أكثر بلاد الشام وفلسطين، وتكررت الحوادث سنة 429هـ، واستمر الاضطراب في بلاد الشام حتى افتكها السلاجقة من الفاطميين، ولم تسلم في عهدهم من القتال والنزاع والخصام من أجلها، وقبيل اندلاع الحروب الصليبية كانت بلاد الشام موزعة على الأمراء والسلاجقة المتنازعين: فأنطاكية كانت تحت إمارة باغيسيان التركماني، ودمشق كانت لرضوان بن تتش ابن ألب أرسلان، وبيت المقدس كانت قد أقطعت للأمير سقمان بن أرتق التركماني.

ب- إجتماعيا:

عرفت بلاد الشام على الصعيد الاجتماعي انقسامات لغوية ومذهبية وعرقية، إذ انتشرت العربية في كل من أنطاكية واللاذقية، والأرمينية والتركية في كل من أعالي الفرات وشمال الشام، وكثرت الأقليات الدينية من موارنة ودروز والنصيرية والباطنية، وقد كثر الصراع بينهم مما أحدث تصدعا في الوحدة بين الساحل الشامي وداخله، فيما تمثلت الأقليات العرقية في الأتراك والأرمن والأكراد واليهود، وقد كان لهذه الأقليات دور كبير في تدعيم الحملات الصليبية بسبب الاضطهاد الذي عانى منه الأرمن والسريان اليعاقبة خلال هذه الفترة، فأصبحوا قريبين للصليبيين وهو ما سهل فيما بعد من إقامة الإمارات الصليبية.

2- الدعوة للحملة الصليبية:

في سنة 486هـ/1093م قدم إلى بيت المقدس راهب فرنسي يدعى "بطرس الناسك" للحج والزيارة، فاغتاظ لسيادة المسلمين على الأماكن النصرانية المقدسة، فرجع إلى فرنسا وعرج في طريقه على البابا أوربان الثاني وأخبره على الوضع، فعزم البابا على دعوة المسيحيين لإنقاذ الأماكن المسيحية المقدسة، وهي فكرة كانت للبابا قريقروار السابع من قبله، وفي حفل فسيح من الكنسيين والعلمانيين أقيم في مدينة كليرمونت الفرنسية يوم 25 ذو القعدة 488هـ/27 نوفمبر 1095م خطب البابا أوربان الثاني خطابا حماسيا، فوجد استجابة كبيرة من جمهور الحاضرين "تلك إرادة الرب"، ثم قام بتوزيع صلبان من القماش ليخيطوها على قمصانهم، ولهذا صار لاحقا الصليب على اللباس شعار فرسان الحملات الصليبية.

خطاب البابا أوربان الثاني

3- حملة الفقراء (حملة الشعب):

وقد تم تحديد يوم 22شعبان489هـ/15أغسطس1096م موعدا لانطلاق الحملة حيث تكون المحاصيل الزراعية قد جمعت واختيرت مدينة القسطنطينية على أن تكون مكان تجمعهم(5)، إلا أن بعض الفرسان خرجوا قبل هذا الموعد في 11جمادى الأولى489هـ/8 مارس1096م بقيادة الفرنسي ولتر المفلس، ثم لحقهم بطرس الناسك، وهو ما اعتبر عصيانا لأوامر البابا، وقد عرفت هذه الحملة بحملة الفقراء، إلا أنها فشلت وعادت أدراجها قبل الوصول إلى بلاد الشام بسبب عدم تنظيمها(6)

4- حملة الأمراء (الحملة الرسمية):

بعد فشل الحملة الشعبية، بدأت الحملة الرسمية –حملة الأمراء- مغادرة أوطانها في الموعد المحدد متجهة نحو القسطنطينية، حيث تزعمها الأشراف والأمراء الفرنسيين(7)، وتألفت الحملة من أربعة جيوش رئيسية، تحت قيادة كبار الشخصيات الذين عملوا على تنظيم قواتهم جيدا، والتي كان عددها يزيد في الطريق إلى القسطنطينية، وقد وصلت الجيوش إلى هذه الأخيرة تباعا، كما استعان البابا بقوة جنوة البحرية.

بعد أن اجتمع بالقسنطنطينية في ربيع 490هـ/1097م مايزيد عن 600 ألف شخص من بينهم 100 ألف فارس صليبي نصح الإمبراطور البيزنطي قادة الحملة الصليبية بأن يسعوا للوصول إلى نوع من الاتفاق مع الفاطميين في مصر، إذ أن الفاطميين كانوا من أشد الناس خصومة للسلاجقة، ولم يخفي الفاطميون سرورهم حين قدم إليهم موفد الإمبراطور الكسيوس في جمادى الأولى 490هـ/أبريل1097م يخبرونهم بوصول حشود الفرسان الصليبيين إلى القسطنطينية وبداية هجومهم على آسيا الصغرى، فرد عليهم الفاطميون بالتمنيات بالنجاح.

وصلت الجيوش الصليبية إلى مدينة نيقية في شهر جمادى الآخر490هـ/ يونيو1097م، وتمت محاصرتها لأكثر من شهر، فاستسلمت أخيرا في 26جوان1097م للإمبراطور البيزنطي، وبعد ذلك زحف الصليبيون باتجاه الشرق متغلغلين داخل أعماق آسيا الصغرى، وخاضوا معركة أبلى فيها كلا الطرفين بلاء حسنا وهي وقعة ضوروليوم (قرب أسكي شهر) في جويلية1097م، وعلى إثرها تقدم الصليبيون باتجاه شمال الشام، وتمكن الصليبيون من دخول الصليبيون من دخول قونية والاستيلاء على هرقلية ثم طرسوس وأذنة والمصيصة، ثم توجهوا إلى الرُها التي أقاموا فيها أولى الإمارات الصليبية في بلاد الشام.

وسنكمل سير الحملة الأولى وصولا إلى القدس وتأسيس الإمارات الصليبية في المقالات القادمة بحول الله.

تأسيس إمارة الرها

المصادر:

(1) رنسميان، الحروب الصليبية، تر: نور الدين خليل، ج4، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1994

(2) سميث جوناثان، الحملة الصليبية الأولى وفكرة الحروب الصليبية، تر: محمد فتحي الشاعر، ط2، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999

(3) فوشيه الشارتري، تاريخ الحملة إلى بيت المقدس، تر: قاسم عبده قاسم، دار الشروق، القاهرة، 2001

(4) وليم الصورى، تاريخ الحروب الصليبية، تر: حسن الحبشي، ج1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1991.

(5) عاشور سعيد عبد الفتاح، بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى، دار الأحد، بيروت، 1977

(6) عاشور سعيد عبد الفتاح،الحركة الصليبية، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، 2010.

(7) قاسم عبده قاسم، الحملة الصليبية الأولى نصوص ووثائق تاريخية، عين للدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية، مصر، 2001

(8) محمد العروسي المطوي، الحروب الصليبية في المشرق والمغرب، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1982