إِنَّهَا الثَّامِنَة صَبَاحاً،الجَوُّ مُمْطِرٌ،وَ الغُيُومُ تُغَطِّي زُرْقَةَ السَّمَاءِ وتَحْجُبُ بَهَاءَهَا.الطَّرِيقُ شِبْهُ خَالِيَة بالكاد اَرَى شخْصَينِ لاَ أكثَر،و هذا يوحي بنَوعٍ من الخَوْف.

أَسيرُ عَلى الطَّريقِ مهْمومَة، مكْسُورةَ الخَاطِرِ،أَفْكاري مبَعْثَرة وَ أَحَاسِيسِي شِبْهُ مُنْعَدِمة.فَقلبي يَخْتَنق؛إنَّهُ نحْوَ الرَّدى يسير حتَّى أحْسسته لوهلَةٍ أنَّهُ يُلْقي تَحيَّةَ الوَداعِ.وَلاَسِيَما حِينَمَا وَقَفَ أمام بابِ "الثَّانوية" وَ تذَكَّرَ أَيَّامَ الحُرِّية، هنَالِكَ عرَفَ أَنَّهُ كانَ من قَبْل بمثَابةِ عُصْفُورٍ يغَرِّد و يحَلِّق في السماءِ دون أن يسْأَلَهُ أَحَد:"ماذا تَفْعل؟"؛ أَمَّا الآن فَذَاك العصفور قَد كُسِرَ أَحَدُ جَنَاحيْه و حُبِسَ في قفَصٍ من فُلاَذ لاَ بَابَ لَهُ، و لا قُفْلَ، و لا مفتاح...فقط يقْعُدُ من الصباح إلى المَسَاءِ منْتَظراً مُعْجِزَةً ماَ لِتُخْرِجَهُ من ذَاكَ السِّجْنِ اللَّعين.

وَ في تلْكَ اللَّحظة،إنَّ أَكثر شخْصٍ أردتُهُ أنْ يَكُون بجانِبِي هو "زهرتي" الجميلة،فَلوْ كانت بقربي آنذَاك لَضَمَّتْني إلى حضْنها الدَّافِئ لِأشْتمَّ رِيحَهُ الطَّيِّب و لَربَّتَتْ على كتفي وَ قالت:"لاَ تحْزَني، أَنا بجانِبِكِ".

وَ بيْنما أنا أشعُرُ بالحنِينِ إلَى حضن زهرتي، التقيت مُعَلِّمتي التي أُكِنُّ لها كُلَّ الحُبِّ و التقدير.ذاك اللِّقاء كان بمثابةِ رسالةٍ من اللَّهِ إليَّ كَيْ يخَفِّفَ عني ألَمِي و يفَرِّج هَمِّي.وَ بِماَ أنَّني كُنتُ أحِنُّ إلى حضن أُمِّي؛لم أتمالك نفسي و حضَنت مُعلمتي بقُوَّة،كان عليَّ أن أفعل ذلك كَيْ أَسُدَّ الفَجوَةِ التي في فُؤَادي.وَ قَد ضمتني هي أيضا بنفس الحَرارةِ وقالت لي:"اشتَقْت إليكِ يا صَغيرتي".

تلْكَ الكلمات هزَّت عُمق فؤادي وَ أرْسلت جُرْعةً من السُّرورِ إلى شراييني كَيْ تخْتَلِطَ بِدمي و أَعُودَ لفرحي و بَهجتي.حقًّا كان إحساساً جميلاً،فقد جعلَني أنسى جُزءاَ من أَحْزاني التي نخرت فؤادي نخراً.