حسنًا.. ربما عادت مرةً أخرى إلى فقاعتها الحزينة، الدامعة، الساكنة سكون القبر. عادت إلى تلك الصحراء المقفرة التي استلقى على رمالها بلال، وهو يجاهد أنفاسه من هول تلك الصخرة القابعة على صدره.. وهو يقول: أحدٌ أحد... أحدٌ أحد.

أمّا هي فتجاهد دموعها من هول تلك المشاعر المتضاربة التي تثور في صدرها، وتثير رغبتها في الموت حينًا، وفي السقم حينًا آخر.. وهي تقول: لا أحد.. لا أحد...

في كل مرة تمتد لها يد، لتخرجها من فقاعتها.. تنظر لها بحزن وتبتسم ابتسامة باردة، وكأنها تعلم أن تلك اليد جاءت لتخرجها، وتتركها. لا يعلمون حقًا أنها وحيدة لأنها تخشى الوحدة. تخشى الفقد.. والخذلان.

وحيدةٌ لأنها تألمت حدَّ اللا حدِّ، حتى لم يبق في روحها نقطة يوضع بها مسمار جديد في نعش روحها.. فأبقت على ما بقى منها، فربما فقدٌ آخر وتفقد روحها!

دائمًا ما أقول أن جميع البشر يحبون الحياة، وجميع البشر لا يحبون الحزن.. ولكنهم دائمًا ما يرغمون على ترك حياة ليعيشوا في جحيم حياة أخرى.. فيغرقون في لهيب حزنهم! حتى المنتحرين كانوا يحبون حياتهم يومًا ما، يعشقونها.. ربما..

في نهاية المطاف يدركون أنهم في طريق غير الذي رسموه، مع أشخاص غير الذين أحبوهم... وربما وحيدون. هنا طريق الرجوع غير مقام.. إما أن تتقدّم وحيد، أو تتخلى عمّا تبقى لك.. من وحدة.

ولكن صديقتنا تلك، دائمًا ما تجد طريق عودتها بطريقة أو أخرى.. تفقد وتُخذل؛ فتعود أدراجها.. إلى فقاعتها الحزينة، الدامعة.. الساكنة سكون القبر.