إن النقد الفلسفي قديم بقدم الفكر البشري، فالنقد شائع في كل الحضارات، إذ أن من أبرز المدارس الفلسفية الغربية المعاصرة التي تبنت النقد ألا وهي المدرسة الفرانكفورتية التي اكتسبت أهمية بالغة نظرا لغنى وتنوع كتاباتها المنفتحة على مختلف المرجعيات الفلسفية الكبرى، ومواكبتها للإشكاليات المعقدة المطروحة في المجتمعات المعاصرة وللتحولات الفكرية والاجتماعية والسياسية لعالمنا المعاصر، ولعل أهم ما يميز هذه المدرسة يتحدث في كونها اتخذت النقد منهجا وحاولت القيام بممارسة نقدية جذرية للحضارة الغربية قصد إعادة النظر في أسسها ونتائجها في ضوء التحولات الأساسية الكبرى التي أفرزتها الحداثة الغربية، كما أنها لعبت دورا هاما في رصد مختلف الأعراض المرضية التي عرفتها المجتمعات الغربية المعاصرة مما حدا بالنظرية النقدية بمدرسة فرانكفورت بتوجيه الانتقادات الجذرية للمفاهيم والقيم التي تأسست عليها هذه المجتمعات، فما هي النظرية النقدية في الفكر الفرانكفورتي؟

الخلفية التاريخية لمدرسة فرانكفورت:

تم تأسيس معهد فرانكفورت في عام 1923م، وافتتح رسميا في 1924م ،وكان المخططون الرئيسيون وراء هذا التأسيس وهم كالتالي: فيليكس قايل، وفريدرش بولوك، وماركس هوركاهايمر الذي أصبح مديرا للمعهد فيما بعد، وفي سبتمبر عام 1922م قدم فيليكس قايل مذكرة حول إنشاء معهد للبحث الاجتماعي موجهة للقائم على جامعة فرانكفورت وفي هذه الوثيقة التي تمثل العلامة الأولى على نشوء عقلية ما أصبح مشهورا فيما بعد باسم مدرسة فرانكفورت.

إن المفكرين الشبان الثلاثة لم تكن لديهم في الواقع أية فرصة لتولي قيادة المعهد الجديد غير أن قايل كان في مركز يتيح له تقديم مترشح مقبول، لكن رغم أن مرشح قايل كان مقبولا من جانب المعهد، فقد توفي هذا المترشح فجأة وكان لابد من العثور على مترشح جديد، ولم تصل مفاوضات قايل مع جوزتاف ماير إلى شيء ويرجع ذلك إلى حد كبير من الخلافات الأيديولوجية، واتجه قايل إلى المؤرخ النمساوي وتم التوصل إلى اتفاق بين كل الأطراف المعنية وأصبح جروينبرج أول مدير للمعهد شاغلا كذلك كرسيا في الاقتصاد والعلم الاجتماعي في جامعة فرانكفورت.

تعريف النظرية النقدية:

يقصد بالنظرية النقدية تلك النظرية التي كان ينطلق منها رواد مدرسة فرانكفورت في انتقادهم للواقعية الساذجة المباشرة، فالنظرية النقدية تعني نقد الاقتصاد السياسي، والنقد الجدلي وتهدف هذه النظرية إلى إقامة نظرية اجتماعية متعددة المصادر والمنطلقات كالاستعانة بالماركسية والتحليل النفسي والاعتماد على البحوث التجريبية، وبتعبير آخر فإن النظرية النقدية هي نقد الواقع ونقد المجتمع بطريقة سلبية وإيجابية ويعني هذا أن نقد متناقضات المجتمع ليس فعلا سلبيا بل هو فعل إيجابي في نظر مدرسة فرانكفورت، فالنظرية النقدية هي تجاوز للنظريات الوضعية التي كانت ترفض التأملية الانعكاسية منهجا في التعامل مع الموضوع المرصود، ومن جهة أخرى فقد استهدفت النظرية النقدية تنوير الإنسان الملتزم تنويرا ذهنيا وفكريا وتغييره تغييرا إيجابيا بعد أن حررته من ضغوطه الذاتية عن طريق نقد المجتمع بتعريته إيديولوجيا.

وعليه فإن النظرية النقدية عند:

هوركايمر: ما تعبر عنه الاتجاهات الوضعية في نظريتها للنشاط البشري على أنه شيء وموضوع خارجي داخل إطار من الحتمية الميكانيكية، على حين ترفض النظرية النقدية النظر إلى الوقائع الاجتماعية على أنها أشياء ومن ثم ترفض الطابع الحياد الذي تتسم به الوضعية وتحاول في المقابل أن تطرح فكرا لا يفصل بين النظرية والممارسة.

مهام النظرية النقدية:

وتهدف النظرية النقدية حسب هوركايمر إلى تحقيق ثلاث مهام:

1-الكشف في كل نظرية عن المصلحة الاجتماعية التي ولدتها وحددتها، وهنا يتوجه هوركايمر كما فعل ماركس إلى تحقيق الانفصال عن المثالية الألمانية ومناقشتها في ضوء المصالح والمصالح الاجتماعية التي أنتجتها.

2-هي أن تظل هذه النظرية على وعي بكونها لا تمثل مذهبا خارج التطور الاجتماعي التاريخي، فهي لا تطرح نفسها باعتبارها مذهبا إطلاقيا أو أنها تعكس أي مبدأ إطلاقي خارج صيرورة الواقع، والمقياس الوحيد الذي تلتزم به هو كونها تعكس مصلحة الأغلبية الاجتماعية في تنظيم علاقات الإنتاج بما يحقق تطابق العقل مع الواقع وتطابق مصلحة الفرد مع مصحة المجتمع.

3-تهدف النظرية النقدية إلى التصدي مختلف الأشكال اللامعقولة التي حاولت المصالح الطبقية السائدة أن تلبسها للعقل، وأن تؤسس اليقين بها على اعتبار أنها هي التي تجسد العقل في حين أن هذه الأشكال من العقلانية المزيفة ليست سوى أدوات لاستخدام العقل في تنظيم النظم الاجتماعية القائمة، وهو ما دعاه هوركايمر بالعقل الأداتي.

رواد النظرية النقدية:

من المعلوم أن النظرية النقدية في مجال الأدب وعلم الاجتماع قد ارتبطت بمعهد البحوث الاجتماعية أو بمدرسة فرانكفورت الألمانية التي يمثلها كل من:

-أدورنو وماركس.

-هوركايمر وهاربرت.

-ماركوز ويورغن.

-هابرماس و والتر.

-بنيامين و فرديريك لوبوك.

-إيريك فروم و لوفينتال.

الإرث الفكري للنظرية النقدية:

على الرغم من أنه من الصعب أن نجد وحدة منهجية بخصوص تعدد أشكال النظرية النقدية غير أن النزعة النفياوية لهذه النظرية يمكن أن تكون منطلقا للحديث عن إمكانية وجود تقارب بينها.

ينطلق مفكرو النظرية النقدية من القول بأن الوضع السلبي الذي يمر به المجتمع اليوم مرده إلى القصور والعجز الذي أصاب العقلنة الاجتماعية، ولذلك فهم يفترضون وجود نوع من الترابط بين العلاقات الباثولوجية التي يعيشها المجتمع ونمط تشكيل العقلنة الاجتماعية أو الأمر الذي يفسر لنا سبب اهتمامهم بالمسار التاريخي الذي يتحقق فيه العقل ولهذا فإن كل محاولة لاسترجاع حيوية التقليد الفكري للنظرية النقدية في وقتنا الحالي يجب أن يكون منطلقه تحيين هذه العلاقة التصورية التي تأسست على فكرة أخلاقية تمتد جذورها إلى فلسفة هيقل.

وتأسيسا على ما سبق فالنظرية النقدية نظرية تتجاوز الوضعية وترفض منطلقات المثالية الألمانية ومن ثم فهي نظرية اجتماعية ماركسية تولي أهمية كبيرة للذات بتفاعلها مع الموضوع كما ترتكز على المادية التاريخية وتعنى بالقيم والأخلاق وبتفاعل الذات مع المجتمع على أن الذوات البشرية مستقلة وغير خاضعة لحتميات أو جبريات موضوعية، ويعني هذا أن الإنسان له دور كبير في صنع التاريخ وتغيير مجتمعه.