كان يتجول في شوارع غرناطة ويعتصر الألمُ قلبَهُ، وكأن أحدهم قام بطعنه في أقصى قلبه بخنجر مسموم وأعاد الكرّة حتى مزّق شرايين قلبه، إذ كيف له أن يُصدّق ما وصل إليه حال بلاده!

فتلك الأندلس -جنة الله على الأرض- كيف لمثل هذا أن يحدث بها!

قد سقطت طليطلة، وقرطبة، وإشبيلية، وسائر الحواضر الإسلامية في الأندلس، لم يتبق للمسلمين من أرض الأندلس الواسعة سوى غرناطة وما حولها!

شرد ذهنه قليلاً ليرجع لسنوات مضت ويتذكر ما حدث؛ ليُحيي في قلبه الأمل من جديد، يتذكر صولاته وجولاته مع العدو ،يتذكر الانتصارات التي حققها هو ومن معه من الجنود البواسل الذين سقط منهم في جوف طير ما سقط، وبقى منهم على قيد الحياة ما بقى؛ في سبيل تحرير البلاد، فتارة يفرح قلبه ويبعث فيه الأمل بالنصر من جديد، وتارة يحزن قلبه عندما يتذكر تلك الهزائم السحيقة التي أسقطت سائر الحواضر الإسلامية في الأندلس في غياهب الجُبّ.

لم يلبث سوى سويعات قليلة لتعود به ذاكرته إلى الواقع الأليم، يتنهد بألم وحسرة ثم يكمل خطواته في حواري غرناطة، ينظر إلى وجوه الناس، فقد أصابهم الغم والهم ورضوا بالدنية في دينهم والعيش والمذلة، هو يكره الأمراء الظالمين، والتجار الذين يلهثوا وراء الأموال، وأصحاب المناصب الخائنين، يكرههم كثيرًا؛ فقد تخلوا عن أرضهم -بل باعوها بثمن بخس- كي يحتفظوا بمكانتهم ويحظوا بمكانة عالية عند العدو الذي أُغتصب أرضهم وشرّد أطفالهم، وسبيَّ بناتهم، ورمل أمهاتهم، هم لا يكترثوا لكل هذا، أهم شيء بالنسة لهم مكانتهم، ومناصبهم، وأموالهم، واللهث وراء دُنيا فانية!

هم -كما قال- مثل الدمية المتحركة يحركها العدو كيفما ومتى يشاء، فتارة يطلبوا من أميرٍ منهم التخلي عن إمارة إشبيلية مثلاً؛ ليسيطورا عليها ويطلبوا منه الذهاب لإمارة حصن أخر من الحصون المجاورة، وهكذا يفعلون بهم ما يريدون!

ذفر بضيق شديد عندما تذكر خيانتهم، وتلعثمت أفكاره، ولم يجد له مأوى سوى أنه امتطى على صهوة جواده وذهب إلى ساحة التدريب، استدل سيفه وبدأ بالمبارزة والمصارعة مع أحد الشبان الذين قبِلوا التحدي، وكعادته يُبدع في ساحة التدريب وكأنه فارس مغوار، كانت جميع عيون الحاضرين تتابعه بانبهار شديد، إلا أن هناك من كان يُتابعه بألم وأمل وعيناه لا تعدو عنه، أنهى السباق وإذ به يشعر وكأن أحد ما يراقبه!

التف خلفه، وقبل أن يراه، امتطى الآخر على جواده وذهب راكضًا وكأن خلفه كتيبة من جنود العدو تطارده! أحس في قلبه بوخذة من الألم، وظلّ يحدث نفسه: “أيعقل أن يكون هو!”

نفض غبار الأفكار من عقله، وعاد ليتنقل بين شوارع البلدة؛ لتستقر قدماه عند قصر الحمراء -وهو قصرٌ أَثري وحصن وأحد أهم صروح العمارة الإسلامية السليبة في الأندلس- ذاك القصر الذي شهد الكثير من الذكريات الجميلة والحزينة، نظر بعينيه إلى القصر والذكريات الأليمة تملأ عقله وقلبه، وتذكر حينها مسجد قرطبة الذي كان أوسع المساجد في العالم في زمانه، كيف أستوليَّ عليه الأعداء والخائنين!

وكيف مضى به الحال حتى تحول إلى كنيسة!

كيف له أن ينسى أيامه التى قضاها في مسجد قرطبة قبل ذهابه إلى غرناطة! كيف ينسى شيخه الذي تلقىٰ على يديه العلم والمعرفة منذ نعومة أظافره!

كيف ينسى مسجد إشبيلية الذي يسحرك جماله!

وكيف ينسى ارتحاله مع شيخه عندما كان يصطحبه معه في رحلاته الدعوية العلمية!

شرد بذهنه قليلاً ليتذكر شيخه وهو يردد بألم وحسرة: “يا وجهَ قرطبةَ الحبيبَ، أنا هنا بشموخ أيام انتصارك أفخرُ، وأنا حزينٌ حين جئتُ لأنني أبصرتُ آثارَ السقوط تُكدِّرُ!”

ذرفت دموعه بحزن وأسى على ما وصل إليه حال البلاد والعباد، وعاد إلى شردوه، وتذكر قصر الزهراء ومدينة الزهراء كيف ينسى هذا الجمال البديع!

كيف لمثل هذا أن يُنسى!

في تلك اللحظة لم يجد ما يفعله سوى أن يمشي بأسى وهو يردد: “أبكي على شرف المَساجد بعدمَا.. صارت كنائسَ بالعَقيدة تكفرُ.. تتنابحُ الأجراسُ في شرفاتها.. ومناظر الصُّلبان فيها تقهَرُ!”

تنهد ببطء وظلّ يمشي خطوات قليلة إلى أن أسند ظهره تحت ظل شجرة، وظلَّ يتأمل ما حوله، وإذ به يجد يدًا تربتُ على كتفيه هو يعلم جيدًا تلك اليد الحنونة نظر بوجهه مسرعًا إلى الخلف؛ حيث ما لبث ثواني، وعندما رآه كأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة!

صمتٌ يُخيّم على المكان، لا شيء سوى تلاقي العيون الدامعة الحالمة، قطع صمته صوت شيخه وهو يقول:” بني أنا هنا!”

وكأن شيخه يخبره أنك لست وحدك يا فتى، فأنا هنا معك منذ زمن أراقبك.

أجابه بصوت مبحوح ممزوج بألم وأمل: “شيخي، أأنت هنا من جديد!”

قال بحنو:” أنا بجانبك، جئت لأخبرك بما سيحدث قريبًا فلتتجهز يا بني، ولا تنس أن هذه البلاد فُتحت في موقعة وادي برباط -تلك الموقعة التي فُتحت فيها بلاد الأندلس وهي من أهم المواقع في التاريخ الإسلامي- تلك موقعة ضارية شرسة يا بني وتُشبه موقعة القادسية واليرموك، تذكر ما حدث في القادسية واليرموك وتذكر ماحدث في موقعة وادي برباط هنا، لله في كونه سنن يا بني وسينتصر الحق وإن طال الزمان، وكما أخبرتك سابقًا لم يتبقىٰ إلا القليل”.

ثم نظر إلى عينيه بأمل وكأن في هذه اللحظة قد سطعت شمس الإسلام من جديد، ثم قال بأمل وعزم وهو ينظر إلى عينيه:

“قريبًا ستعلوا مآذن الأندلس”.