عصفورةٌ أنا.. وشجرةٌ وامرأة..


كنتُ عصفورة جميلة..ألهو هنا وهناك..أتمتع في بهجة وفرح..أفردُ جناحين مصبوغين بكل الأَلوان..فترانِي محلقة في الفضاء..أعلو وأنخفض..وأنا أصدحُ بترانيم..تبعثُ على التفاؤلِ وَحُبِّ الحياة..

وكيف لا.. فأنا لا أزالُ فتية..فقد ولدتُ هذا الربيع..!

وبغتةً! ! انقطعَ صوتي..وأحسستُ أني أهوي ..

لم أُدرك حقيقةَ مَا جرى..إِلاَّ حينما اصطدم جسدي الصغير  بِالأرض..

فشعرتُ حينها بألمٍ شديدٍ وأن روحي تُفلتُ مني.. رغمًا عني!

..لا..! مستحيل..

لا جدوى لقد ماتتِ العصفورةُ الصغيرة.. بيدِ مقلاعِ أطفالٍ عَابِثين!

إلا أنني أحسستُ فجأةً..بكفينِ ناعمتين صغيرتين.. تحضنني تمسحُ ريشي المُلطخ.. تغسلني بِعَبَرَاتٍ ساخنة..وتُدَثرني بِعِبَاراتِ المُواساة..وكلها ألمٌ وحزنٌ على نهايتي..

لا! لن تكون كذلك ..أبداً! ..أرفض..!

أحسستُ ببرودةِ الترابِ حينما وضعتني في حفرةٍ صغيرة..  ثم غطتني بحفنة أخرى باردة..

سكنت روحي فجأة..وقررتُ..أن أعيش..

ولو كنتُ في القبر..!

ومر الوقتُ مرورَ السحاب..وخرجتُ من مكاني وأنا نبتةٌ رقيقة خضراء..كنت أَنمو بسرعة وإرادة..

حتى إكتمل نموي..فأصبحتُ شجرةَ تينٍ بري حلو ولذيذ..

كنتُ مسرورةً بالتحول الذي أصابني.. حامدةً للذي وهب لي الحياة من جديد.. فحتى وإن لم أعد عصفورة..فقد صرت شجرة..نعم شجرة وارفة..

أُطعمُ الجميع دون أن أمل..وأُصافحُ بأغصاني كل الطيور ..

وأتمتع بغبطةٍ.. برحابة السماء...وعبق طينة الأرض..

أحسستُ بأناملَ دافئة تتحسسني..فإذا بي أرى امرأة كنتُ أَعرفها طفلة.. زرعتني ها  هنا يوما..أحسستُ نحوها بالود..

كانت تنظرُ إلي مبتسمةً..فلعلها أدركت..أنني هي العصفورة الصغيرة ذاتها..التي كُتب لها أن تعيش..

والتي كان في موتها.. حياةً أفضل لها..