أَنس بن مالك بن النَضر الأنصاري الخَزرجي النجاري، قد شَرفه اللَّه تعالى بخدمة النبي مُحمد صلى اللَّه عليه و سلم عَشر سنين، و عَاش ما يَزيد عن ثمانين عام بعد وفاة النبي عليه الصلاة و السلام، أَمضاها كلها مُعلماً و مُجاهداً. رَوى أَنس رضي اللَّه عنه الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة والأخبار والآثار.

عائلته

هيأ اللَّه تعالى لأنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه، في نَشأته البيئة الصالحة، فهو ينتمي إالى بنو النجار، خير أُسر الأنصار. ففي صَحيح مُسلم عن أَنس بن مالك عن أبي أسيد قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: "خَير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرح، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير". معنى (خير دور الأنصار): أي خير قبائلهم. 

أُمه، أم سُلَيم، و يُقال لها الغميصاء، فقد رَوى مُسلم في صحيحه عن أنس أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "دَخلت الجنة فَسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذه الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك". كانت رضى اللَّه عنها مثالاً للزوجة الصالحة و المرأه الصابرة، فضلاً عن خُروجها مع النبي عليه الصلاة و السلام للجهاد في سبيل اللَّه، مما يدل على شدة إيمانها و حَماسها للإسلام. 

أخوه، البراء بن مالك بن النضر الأنصاري. شارك البراء غزوات أُحد والخندق والمشاهد كلها مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم إلا بدراً. عَمه، أنس بن النضر، و هو من شُهداء غَزوة أُحد.

حينما وُلِد أنس كان الإسلامُ لا يزال في مَكة فقط، ومات أبوه مالك بن النضر بعد انتشار الإسلام بالمدينة بقليل، و كان ذلك قبل هجرة النبي عليه الصلاة و السلام، وكان قد غاضب زوجته أم سُليم لأنها بادرت إلى الإسلام، وخرج إلى الشام و مات هناك. تولت أم سُليم تربية ابنها أنس، ولَقنته شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن مُحمداً رسول اللَّه، فَعقلها وهو صغير، وأسلم لله رب العالمين. تَولى أنس تزويج أُمه من أبي طلحة الأنصاري، وكان رجُلاً شديد الإيمان، شارك في كل الغزوات مع رسول اللًّه صلى اللَّه عليه و سلم، كما كان له مكانة كبيرة بين الصحابه رضي اللَّه عنهم أجمعين. قال أنس رضي الله عنه: "كان أبو طلحة لايصوم على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه واله وسلم من أجل الغزو، فصام بَعده أَربعين عام لا يُفطر إلا يوم أضحى أوفطر".

أنس رضي اللَّه عنه في بيت النبي مُحمد صلى اللَّه عليه و سلم

بعد هجرة النبي عليه الصلاة و السلام من مكة إلى المدينة، شَرف اللَّه تَعالى أنس بالقُرب من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم، حين قَدمته أمه وعَمه وأبو طَلحة خادمًاً له عليه الصلاة السلام، فَقبله المُصطفى صلى اللَّه عليه و سلم، و كان له أباً و مُعلماً و مُربياً. كان عُمر أنس حينها عَشرة أعوام.

كان عليه الصلاة و السلام يناديه "يا بُنى" ففي سُنن الترمذي عن أنس: قال لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: "يا بُني إذا دَخلت على أهلك فسلم، يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك". وفيه أيضا، عن أنس بن مالك: قال لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: "يا بُني، إياك والالتفات في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هَلكة، فإن كان لا بد ففي التَطوع لا في الفَريضة". و فيه أيضا،ً قال أنس بن مالك: قال لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: "يا بُني إن قَدرت أن تُصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل" ثم قال لي: "يا بُني وذلك من سُنتي، ومن أحيا سُنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة".

كان صلى اللَّه عليه و سلم يُعامل أنس بن مالك معاملة حَسنة. وَصف أنس حُسن مُعاملة النبي عليه الصلاة و السلام، فقال: كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم من أحسن الناس خُلقاً، فأرسلني يوما لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم، فَخرجت حتى أمُر على صبيان وهم يَلعبون في السوق، فإذا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم قد قَبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك فقال: "يا اُنيس أذهبت حيث أمرتك؟" قُلت: نعم أنا أذهب يا رسول اللَّه. قال أنس: واللَّه لقد خَدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صَنعته لم فعلت كذا وكذا. أو لشيء تَركته هلا فعلت كذا وكذا.

روى البُخاري في صَحيحه عن أنس أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم دَخل على أم سُليم، فَقدمت له تمرأ وسمناً، فقال صلى اللَّه عليه و سلم: "أَعيدوا سَمنكم في سقائه وتَمركم في وعائه فإني صائم" قال: ثم قام في ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سُليم وأهل بيتها، فقالت أم سُليم : يا رسول اللَّه إن لي خويصة قال: "ما هي؟" قالت خادمك أنس، فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به : "اللهم ارزقه مالا وولدا وبارك له". قال أنس: فواللَّه إن مالي لكثير وإن وَلدي ووَلد وَلدي لَيتعادون على نحو المائة اليوم.

وقد وَعده النبي صلى اللَّه عليه و سلم أن يَشفع له يوم القيامة. رَوى الترمذي عن أنس: سَألت النَبي صلى اللَّه عليه و سلم أن يَشفع لي يوم القيامة فقال: "أنا فاعل" قال أنس: قُلت: يا رسول الله فأين أطلبك؟ قال: "اطلبني أول ما تطلبني على الصراط ". قال: فإن لم أَلقك على الصراط ؟ قال: "اطلبني عند الميزان"، قُلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: "فاطلبني عند الحَوض فإني لا أُخطىء هذه الثلاثة المواطن" ولذلك كان أنس رضي الله عنه يقول: إني لأرجو أن ألقى رسول اللهَّ صلى اللَّه عليه و سلم فأقول: يا رسول اللَّه خُويدمك.

كان أنس رضي اللَّه عنه خادماً أميناً للنبي صلى اللَّه عليه و سلم، علاوةً على شدة حُبه لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم. فبعد وفاة النبي عليه أَفضل الصلاة و السلام، قال أنس: ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي، ثم يبكي. و مما رواه أنس عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم قوله: "من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتخيل بي".

كانت مَحبة أنس للنبي صلى اللَّه عليه وسلم محبة صادقة، فكان شديد التمسك بالسُنة النبوية الشريفة. ولقد شَهد الصحابي الجليل أبو هُريرة رضي اللَّه عنه بشدة تمسك أنس بالسُنة، فقال: ما رَأيت أَحدا أَشبه صلاة برسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم من ابن أم سُليم. يعني أنس بن مالك. وشهد له بذلك أيضأ تلاميذه، حيث قال ابن سيرين: كان أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر.

جهاده و عِلمه

  لم يُشارك أنس رضي اللَّه عنه في غزوات بَدر و أُحد، لأنه كان صغير السِن، ولكنه حَضرها كخادم للنبي عليه الصلاة والسلام. شارك أنس في ثمان غزوات بدايةً من الخندق. كما شارك في معركة مؤتة، و حروب الردة، و معركة القادسية، و فَتح تُستَر.

يُعتبر أنس رضي اللَّه عنه ثالث الصحابة حِفظا للسُنة وراويةً لها، فلم يَسبقه في رواية السُنة سوى أبو هريرة وعبد اللَّه بن عُمر رضي اللَّه عنهما. فقد روى أنس رضي اللَّه عنه ألفان و مائتان و ستة و ثمانون حديثاً.

بعد وفاة النبي عليه الصلاة و السلام، رَحل أنس إلى دمشق ثم استقر بعد ذلك في البصرة، فعاش فيها مُدة تزيد على ستين عام، وهو يُعلم الناس سُنة رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم. وخلال هذه المُدة تَمكن من تَكوين طبقة من العلماء في البصرة، و الذين كان لهم أثر كبير في تاريخ الإسلام الفكري منهم، الحسن البصري، وسليمان التيمي، ومحمد بن سيرين، وثابت البناني، وأنس بن سيرين، وسعيد بن جبير، وقتادة، وحميد الطويل. كما روى عنه أولاده، موسى والنضر وأبو بكر، وحفيداه ثمامة وحَفص. و قد مات أنس رضي اللَّه عنه بالبصرة عام 93هـ

نماذج من رواياته عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم

1- عن أنس قال: كانت عامة وَصية رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم حين حَضره الموت: "الصلاةَ وما ملكت أَيمانكم" حتى جَعل رسول اللَّه عليه الصلاة و السلام يُغرغر بها صَدره ولا يكاد يَفيض بها لسانه.

2- عن أنس، قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: "ليس بين العبدِ والشركِ إلا تركُ الصلاة؛ فإذا تَركها فقد أَشرك". 

3- عن أنس: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: "إن الصَدقة لتُطفىء غَضب الرَب وتَدفع مِيتة السوء".

4- عن أنس، قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: "هذا رمضان قد جاء، تُفتح فيه أبواب الجنة وتُغلق فيه أبواب النار، وتُسلسل فيه الشياطين".

5- عن أنس: سَمعتُ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم يقول: "أَيما رجل يعود مريضاً فإنما يخوض في الرحمةِ، فإذا قَعد عند المريض غَمرته الرحمة". قال: فقلت يا رسول اللَّه: هذا للصَحيح الذي يعود المريض، فما للمريض؟ قال: "تُحَطُ عنه ذُنوبه".

6- عن أنس، قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: "لا تباغضوا، ولا تَحاسدوا، ولا تَدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يَحل لمسلم أن يَهجر أخاه فوق ثلاثة أيام".

7- عن أنس: جاء رَجل إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم فقال: يا رسول اللَّه إني أُريد سَفراً فزوّدني، قال: "زوَّدك اللَّه التقوى" قال: زدني، قال: "وغفر ذنبك"، قال: زدني بأبي أنت وأمي، قال: "ويَسر لك الخيرَ حيث ما كنت".

8- عن أنس، عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: "تكون بَين يَدي الساعة فِتَن كَقطع الليل المُظلم، يُصبح الرَجل فيها مؤمناً، ويُمسي كافراً. ويُمسي مُؤمنا ويُصبح كافراً، يَبيع أَقوام دَينهم بعَرض من الدُنيا".

9- عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه، أن رجلاً أتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم، فقال له: "متى الساعة؟ قال: ما أعددتَ لها؟، قال: ما أعددتُ لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكنّي أُحب اللَّه ورسوله، فقال: أنت مع من أحببت".


المصادر

http://data.nur.nu/Kutub/Arabic/Anas-ibn-Malik.pdf

https://www.islamstory.com/ar/ar