كانت حتشبسوت خامس حاكمة من الأسرة الثامنة عشرة (1479-1458 قبل الميلاد) في مصر القديمة. كانت قادرة على الصعود من الأميرة إلى ملكة إلى فرعون.

اعتبرها عُلماء المصريات واحدة من أنجح الفراعنة. وكان لها فترة حكم أطول من أي امرأة أُخرى من السُلالة المصرية الأصلية.

أعادت حتشبسوت إقامة العلاقات التُجارية الدولية التي جَلبت ثروة كبيرة لمصر. مَكنتها هذه الثروة من بناء مشاريع رَفعت مُستوى العمارة المصرية القديمة إلى مستوى قياسي.

ظَلت حتشبسوت في السُلطة 21 عامًا. تَميز عهدها بالسلام والازدهار الاقتصادي.

الميلاد والعائلة والزواج

ولِدَت حَتشبسوت عام 1507 قبل الميلاد، وهي الابنة الكُبرى للملك تحتمس الأول، ثالث حُكام الأسرة الثامنة عشرة والملكة أحمس. كان لحتشبسوت أُخت، الأميرة نيتروخب وشقيقان توفيا كلاهما في سن صغيرة. الملك أحمس الأول، الذي حَرر مصر من الهكسوس، هو الجَد الأكبر لحتشبسوت ومؤسس الأسرة الثامنة عشرة.

عندما كانت حتشبسوت تبلغ من العمر 12 عامًا تقريبًا، تزوجت تُحتمس الثاني، ابن تحتمس الأول، وأنجبت منه ابنة واحدة، الأميرة نفرورع، لكن زوج حتشبسوت تحتمس الثاني أنجب ابنًا ،وهو تُحتمس الثالث، من زوجة ثانوية تُدعى إيزيس.

صعود حتشبسوت إلى السُلطة

أصبحت حتشبسوت ملكة مصر عندما تزوجت تُحتمس الثاني الذي حكم مصر من (1493 قبل الميلاد إلى 1479 قبل الميلاد). بعد وفاة تحتمس الثاني، ذهب الحُكم إلى تحتمس الثالث، الذي كان طفلاً وكانت حتشبسوت تعمل كوصي عليه ولكن بعد أقل من سبع سنوات، تولت حتشبسوت لقب فرعون وأصبحت حاكمة مصر مع تحتمس الثالث.

الانجازات الرئيسية لحتشبسوت

أَعادت حتشبسوت فتح المَحاجر والمَناجم، وخاصة مناجم النحاس في شبه جزيرة سيناء، والتي توقفت أثناء احتلال الهكسوس لمصر. كما قامت بتنشيط التجارة مع الدول المجاورة لمصر، حيث كانت التجارة في حالة سيئة، خاصة في عهد الملك تحتمس الثاني.

أعادت الملكة حتشبسوت استخدام قناة كانت تربط النيل بالبحر الأحمر لتمكينها من توسيع التجارة.

اعتنت بالأسطول التُجاري المصري وأنشأت سُفنًا كبيرة للنقل الداخلي وكذلك بعثات التبادل التجاري.

أرسلت حتشبسوت بعثات تُجارية على مَتن سُفن كبيرة مُحملة بالهدايا والسِلع المصرية مثل ورق البردي والكتان إلى أرض بونت (الصومال)، ثم أُعيد تَحميلُها بكميات كبيرة من الحيوانات المفترسة والأخشاب والبخور والأبنوس والعاج والجلود والأحجار الكريمة. صَورت حتشبسوت خَبر هذه البعثات على جُدران معبد الدير البحري بالضفة الغربية لنهر النيل بالأقصر.

أَمرت حتشبسوت ببناء مَسلتين كبيرتين من الجرانيت تَزن كل منهما حوالي 35 طنًا، وهي الأطول في العالم في ذلك الوقت، وكانتا عند مدخل معبد الكرنك. لا تزال إحداهُما قائمة حتى الأن والأُخرى قد انكسرت إلى قسمين وانهارت.

في وقت لاحق، أمرت ببناء مَسلتين أُخرتيين للاحتفال بعيدها السادس عشر كفرعون. تَحطمت إحدى المسلات أثناء البنا، وبُناءً عليه تم بناء ثالثة لتحل محلها. تُركت المسلة المكسورة في موقع المَحجر في أسوان، والمعروفة باسم المسلة غير المُكتملة.

معبد باخت هو ضريح تحت الأرض بنته حتشبسوت في بني حسن بمحافظة المنيا. يحتوي هذا المعبد على عَتبة بنص طويل ومُفصل يحمل إدانة حتشبسوت للهكسوس، وترجمه جيمس ألين (James B. Allen). كما قامت حتشبسوت بترميم العديد من المَعابد في هذه المنطقة التي دَمرها الغُزاة الهكسوس.

يُعد المعبد الجنائزي للملكة حتشبسوت من أكثر الأماكن إثارة في العالم. صَممه المهندس المعماري للملكة، سنينموت، ووضعه في موقع على الضفة الغربية لنهر النيل بالقرب من مدخل وادي الملوك. هذا المعبد الجنائزي مُشابه جدًا للعمارة اليونانية الكلاسيكية القديمة، لكن معبد حتشبسوت تم بناؤه قبل حوالي 1000 عام. يتكون المعبد الجنائزي من ثلاثة طوابق. يحتوي الطابق الأول على صور لصيد الطيور ونقل المَسلات من أسوان إلى المعبد. والثاني مُزين برسومات تُصور الرحلة التُجارية الشهيرة إلى أرض بونت. الطابق الثالث هو ساحة الاحتفالات. استغرق بناء هذا المعبد وإكماله حوالي 15 عامًا.

الفرق بين حتشبسوت وحاكمات أُخريات في مصر القديمة

كان من غير المُعتاد أن تحكم امرأة مصر، لكن هذا حدث عدة مرات. سبقت حتشبسوت ميرنيث من الأُسرة الأولى. قد تكون نيماثاب من الأسرة الثالثة أرملة خعسخاموي، فقد كانت بمثابة الوصي على ابنها زوسر. تولت الملكة سوبكينيفرو من الأسرة الثانية عشرة السلطة الرسمية كحاكم لمصر العليا والسفلى قبل حتشبسوت بثلاثة قرون. ربما كانت اياح حوتب، التي تم الإشادة بها كملكة مُحاربة، كوصية بين عهدي أبنائها، كاموس وأحمس الأول، في نهاية الأسرة السابعة عشرة وبداية الأسرة الثامنة عشرة.

أبرز مثال لامرأة أُخرى أصبحت حاكمة، كليوباترا السابعة، أثناء الاحتلال البطلمي لمصر. كانت آخر فرعون وآخر حكام البطالمة في مصر. ركزت كُلٍ من حتشبسوت وكليوباترا على التوسع التجاري لمصر، حيث حكموا لفترة طويلة ولكن لكل منهما أسلوبها الخاص. على سبيل المثال، ارتدت حتسبسوت ملابس الرجال، و رَكبت لحية ذهبية، وحاولت إخفاء حقيقة أنها امرأة وأشاعت بين الناس بأنها ابنة آمون لإقناعهم بأنها تستطيع الحكم. من ناحية أخرى، كانت كليوباترا ترتدي أزياء المرأة ببراعة في جميع أنماط عصرها. اعتمدت كليوباترا على الرجال للمساعدة خلال فترة حُكمها، على عكس حتشبسوت.

بشكل عام، عند مُقارنة حتشبسوت بالملكات الأُخريات، كان حكم حتشبسوت أطول وأكثر ازدهارًا وسلامًا.

الموت والدفن

توفيت حتشبسوت عام 1457 قبل الميلاد خلال العام الثاني والعشرين من حكمها، كما هو مكتوب في لوحة وُجِدَت في أرمنت. قَدر المُؤرخ المصري القديم مانيثو حُكمها بـ 21 عامًا وتسعة أشهر. يقع قبر حتشبسوت في وادي الملوك ويرمز له KV20.

ربما كان KV20 أول مقبرة ملكية يتم بناؤها في الوادي. كان هذا القبر مكان الدفن الأصلي لتحتمس الأول، الذي تم نقله لاحقًا إلى مقبرة 38. قامت حتشبسوت بتوسيع KV20 لاستيعابها مع والدها.

يقع KV20 في القسم الشرقي من الوادي بالقرب من مقابر KV19، و KV43، و KV60. تتكون المقبرة من سلسلة من خمسة ممرات مُنحنية وواحد منحدر، اثنان منها ينتهي إلى غُرف. تنحني هذه الممرات من الشرق إلى الجنوب الغربي في اتجاه عقارب الساعة. في الجزء السفلي من هذا الممر الهابط توجد مجموعة من الغرف متصلة بممر آخر. حجرة الدفن عبارة عن غرفة من ثلاثة أعمدة بها ثلاث غرف جانبية صغيرة في نهايتها الشمالية. يبلغ طول المقبرة 210 أمتار.

الأشياء التي تم العثور عليها في KV20 كانت من حُجرة الدفن والمَمر المؤدي إليها. تَضمنت القِطع الأثرية مُزهريات حجرية تحمل أسماء أحمس نفرتاري وتحتمس الأول وحتشبسوت. تم نقش نَعشين من الكوارتزيت لتحتمس الأول وحتشبسوت، والصندوق الكانوبي لحتشبسوت. كما تم العثور على كُتل من الحجر الجيري تحمل نُصوصًا جَنائزية بالإضافة إلى عدة أجزاء من الأثاث الجنائزي المعتاد.

المومياء

في عام 1881 م، تم العثور على صندوق خشبي كانوبي مُزين بمقبض عاجي منحوت باسم حتشبسوت يحتوي على كبد وجُزء من الأمعاء، بالإضافة إلى ضرس في مخبأ المومياء الملكي في (DB320).

حوالي عام 1903، اكتشف عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر مقبرة (KV60)، في وادي الملوك والتي كانت تحتوي على مومياوات، إحداهما تم تعريفها على أنها مُمرضة حتشبسوت، والأخرى غير معروفة. أُعيد استكشاف المقبرة في عام 1906 من قِبَل عالم المصريات الإنجليزي إدوارد أيرتون الذي نقل مومياء مُمرضة حتشبسوت إلى المتحف المصري وترك مومياء المرأة المجهولة وحدها.

في عام 2007 ، قام الدكتور زاهي حواس بنقل المومياء المجهولة من المقبرة وإحضارها إلى المتحف المصري بالقاهرة لاختبارها. كانت هذه المومياء تفتقد ضرسًا، وكانت المساحة الموجودة في الفك مطابقة تمامًا للضرس الذي تم العثور عليه في DB320 "الصندوق الكانوبي".

أَظهرت نتائج فَحص المومياء، أن حتشبسوت كانت تبلغ من العمر حوالي 50 عامًا عندما توفيت، وكانت مريضة بمرض السُكري والتهاب المفاصل وربما ماتت بسبب سرطان العظام. عَزا بعض العُلماء إصابتها بسرطان العظام إلى غسول جلدي موجود في حوزة الملكة يحتوي على مادة (benzo (a) pyrene)، وهي مادة هيدروكربونية عِطرية خطيرة تتكون من عدة حلقات كربون. يُعتبر البنزو (أ) بيرين (benzo (a) pyrene) من أخطر المواد المسببة للسرطان. على سبيل المثال، هذه المادة موجودة في السجائر وتسبب سرطان الرئة. هناك الكثير ممن تحدثوا عن فَرضية موت حتشبسوت نتيجة استخدام هذا المُستحضر.

المصادر