لجوءٌ وراء لجوءٍ للبحثِ عن الأمان والحصانة المفقودين في موطني الأم.

غربةٌ يا أمي وراءَ غربة للبحث عن لقمة عيشي وعن مستقبل منير، لم أشتهِ الرحيل، أسعى أن تعيشي وإخوتي حياةً سعيدةَ مريحة، أسعى أن تكوني بصحةٍ جيدة، وأن تجدي المال حين تفقدي صحتك يا أمي.

فبلادي محصّنةٌ بالفساد، وحين تحتاجين تعليم إخوتي، أسعى أن أوفر لك كتبا، وأقلاما لكيّ تعلمي إخوتي في بلادٍ أصبح فيه التعليم غالٍ عليك، وحين تريدين شراء قوتِ يومكم أن تجديني السند الذي تتكئين عليه حين تجدي العالم قاسٍ عليك، وحين ترين ظهرك ينحني بفعل الزمن، يا قرّة عيني.

دموعي في رسالتي قبل أن أصل للحلم، أعلم أنّي أجازفُ وأعلم أني في أيّ لحظة يمكن أن أكون في العالم الآخر، وأكون كسراب وأترككم وحدكم.

غاليتي، لا تبكي على فراقي، فأعلم أنّ قطعةً من قلبك انتشلت، وظلّ فراغ مميت بداخلك بسبب فقدي، لكن لا تدعي إخوتي يفعلون كما فعلت، لأن الأمر مرعبٌ للغاية، ولا أريدهم أن يعيشوا نفس التجربة، وذكريهم بي ودَعيهم يعرفون من أكون يا أمي، فذكراكم بقلبي لا تُمحى، وروحي في السماء رغم وجود جسدي في أعماق البحار، فأنا الذي خشيتُ من ريحِ الشّتاء ليمرضني، يا أمي، أنا أحارب الموت والبرد، كم هو قارس جدا جدا، لدرجة لم أستحملْ و غبتُ عن الوعي مرارا وتكرارا، أحلم بكم وبحضنكم أنت وإخوتي، ولكن قبل أن أفارق الحياة شاهدتك تضمّيني لصدرك.

آه يا أمي، كم أنّ حضنك دافئٌ جدا، وأشعر فيه بالأمان والسكينة، وخشيت أن أفارقك، وأبقى دون وطن. فأنتِ وطني بعد ما خُذلت من الوطن، لو تعلمين أن الفراق صعبٌ جدا عليّ، ولحظة الموت لا تُطاق حين ترين أنّ الحياة انتهت، وأن عالما آخر ينتظرني بدونك يا أغلى البشر، دموعي تراقصت على نغمٍ حزين وقلبي خفتَ خفتة كبرى وكأنها بارودٌ أعلن نهاية الساعة.

أحبّك أمي، لا تنسيّْ ذلك، فمع آخر نفسٍ لفظتُ آخر شيءٍ هو أمي، وطني، اشتقتُ لك، كم وددتُ طلب اللجوء إليكِ، ولكنّ إرادة الله أقوى، سيظل قربك مني كنورٍ ساطع، وكمدفئة في جو قارس، فأنتِ الأمن والسلم وكل مايمكن أن يخطر بالبال.