كم ينتظر الزوجين طفلهما الأول وكم تهفو الأم للنظرة الأولى له، تتلهف شوقا لضحكاته الأولى، لخطواته الأولى، لكلماته الأولى، ولكل (أوَّل الشيء) الذي يقوم به…

وليست الأم وحدها من تنتظر أول الشيء كلنا ننتظره؛ ذلك أن له مذاقا خاصا يبقى عالقا بالشفاه دوما.

أول طفل، أول صداقة، أول يوم في العمل، أول رحلة، أول رسالة… وأول لقاء؛ كلها مواقف تحفر مشاهدها على جدران القلب بألوان تختلف باختلاف الأحداث..

تمضي الأيام وتبقى الذكرى منقوشة بلونها الذي اختارته على صفحة القلب!

يعود بي الزمن إلى الوراء:

إلى أول يوم لي في المدرسة، أتذكر تفاصيله: ثيابي الجديدة، خطواتي نحو الباب متشبتة بيد أبي، ونظرات أختي وهي تودعني بثغرها الباسم متمنية لي التوفيق.

أول شهادة لي في نهاية المرحلة الإبتدائية: مقلب صديقاتي، قبلات المهنئين، هدية إحداهن.

إلى أول يوم لي في العمل: مدرسة بلا أسوار، وجوه كساها الشحوب، أعين فضية، وأقسام مهترئة.

إلى أول مرة لبست فيها الحجاب، وسط استغراب الأهل خاصة وقد كانت بالنسبة لهم خطوة مفاجئة

خواطري الأولى، تدوينتي الأولى، رحلتي الأولى، مدرستي الأولى…

كلها مشاهد استطاعت أن تأخذ حيزا لابأس به من قلبي؛ ذلك أنها البدايات..

وللبدايات وهج لا ينطفئ يظل ينير عتمة الطريق أينما حللنا..

ولكنه أبدا لا يلغي ما بعده وإلا كانت الحياة ذات لون قاتم، تنتهي اللحظات الأولى فلا تبقَ للإنسان سوى الخيبة!

وإني وإن تذكرت أول الأشياء أجد نفسي أميلَ لما بعدها، ذلك أني آمنت أن البدايات ما هي إلا باب خلفه مسار طويل لا تُبْلَغ نهايتهُ إلا بشق الأنفس، وأكثر ما نحتاجه لعبوره: الثبات والإصرار على النجاح

وآمنت أيضا أن لذة البدايات لذة زائفة، تمنح للكُلّ غير أنه لا تلبث أن تختفي، فيتعرى حامِلها ولا تبقَى له إلّا همّة نفسه!

لذا أصحاب الهمم العالية وحدهم من لا تكتفي ذواتهم بما هو زائف، بل إنهم في غنًى عن لذة تمنح دون مشقة..

فلولا المشقة ساد الناس كلهم.