بسم الله الرحمن الرحيم

بالطبع أنا اتحدث هنا من وجهةِ نظر طالب فرقةٍ خامسة. والذي قد يكونُ نظره قاصرًا على كلِ حال..
-
المشكلةُ الاولى:
أننّا لم نعرف مكان الذي ندرسه الآن من المستقبل.
ويتضح ذا في المذاكرِة من كتابٍ موجّه لمن هم دون الخريجين مثل كتاب "ماستر ذا بورد" فالكتاب يطوي "الفسيولوجي" كثيرًا معتمدًا على كونك تفهمه، فلم يقل لك مثلًا أن "الثلاثيميا" تنتج عن نقص الجلوبين، لكنّه قال أنها تتسبب في أنيميا "المايكروسيتيك"!
وبذا، أقول أنّني إن عرفت –بأول عامين- أهمية "الفسيولوجي" الشديدة في فهمي الجيد للباطنة، لاهتممتُ به أكثر من كونه مادةً أُمتحن بها..
الكارثة المترتبة على ذلك أن تحوّل شارح الباطنة الجيد عندنا –كطلبة-، إلى شارح فسيولوجي جيد..
الدكتور علّام مثلًا المشهور بكونه "مُفهّمًا" وليس "مُحفّظًا" ، هو بارعٌ في الفسيولوجي وذلك سبب شهرته!
--
المشكلةُ الثانية
إننا –كطلبة طب- نسير بجد ونبذل كثيرًا من الجهد، لكن في الطريق الخاطئ، وأقسم أن مجهودنا لو وُجّه لتغير الحالُ كثيرًا!
في مقارنةٍ بسيطة بين كتابين، الأول هو "إن كابسول" لشارح الباطنة الشهير "د/أحمد موافي" والذي يعتمد عليه معظم طلبة الطب بمصر وأنا منهم.
والثاني هو كتاب "ماستر ذا بورد" لشارح الباطنة المعروف "د/كونراد فيشر"
فترتيبُ جزء الأنيميا مثلًا في كتاب كونراد، كأنه يأخذ بيدك خطوةٌ خطوة، تبدأ بالنظر إلى صورة الدم، والتأكيد على الهيماتوكريت، وحجم الكرة الحمراء الرئيسي "MCV" ومنها تحدد ما إذا كان النوع "نورمو أو ماكرو أو ميكرو" ثم يعدد الأسباب لكل واحدٍ كأنه يقول، إن استنتجت من الأرقام أنّه كذا، فضع في عقلك الأسباب الآتية. ثم يتقدم ليفرق بين الأسباب التي ذكرها بطريقة الاستثناء "EXCLUTION" حتى تصل في النهاية لطريقٍ واضح للتشخيص، بأقل مجهود.. أما في الكتاب الأول، فهي الطريقةُ الكلاسيكية المعروفة بعرض كل نوعٍ من الأنيميا بترتيب أسبابه وصورته المرضية والتحاليل المثبتة له، ثم التفرقةِ بينه وبين الأنواع الأقرب إليه وأخيرًا العلاج..
يؤدي الكتابين نفس النتيجة بالضبط، لكن كتاب "كونراد" –كما أظن- يوفّر وقتًا كبيرًا. بينما كتاب دكتور موافي هو الأفضل لكي تدخل الامتحان، ولا مجال للاختيار، فالامتحان أهمّ، ولذا فأنا اذاكر منه!
--
المشكلةُ الثالثة:
الامتحانات أعمتنا عن التحديث. فمثلًا رأيتُ حالة "التهاب المفاصل الروماتزمي RA" الأسبوع الماضي، تسير على علاج "بنسيلامين" وهو قد أُلغي من بروتوكول علاج "الRA" من تسعينيات القرن الماضي! وسبب ذلك أن مصادرنا التي نذاكر منها غير محدّثة، لكن لا يهم ذلك، المهم هو الامتحان، وأن نكون "هنتريشًا" مُحلّقًا فوق أجواء القاعة الامتحانية وان نُخرس دكتور الشفوي بأسئلته اللولبية! لأن في النهاية، تلك الدرجات هي التي ستحدد من سعيد الحظ الذي سيذهب لأعلى البلاعة "مستشفيات الجامعة" ومن سيغوص في القاذورات "مستشفيات الصحة"
-التشبيه لدكتور محمد نزيه-
--
المشكلةُ الأخيرة:
ببساطة هي "الأولويات" . فالأولوية العُظمى لنا هي الدرجات الأعلى بالامتحانات، وهي أولوية مبررة كما ذكرت في المشكلة السابقة، لكن هذا يضرّ كثيرًا، فمثلًا في مادة الطب الشرعي، تصير المقارنة بين ال hanging وال strangulation. أهم بكثير من كتابة شهادة الوفاة. مع أن الممارسة العملية كممارس عام، تقضي تمامًا ببطلان ذلك. وعلى هذا فقس في كل مواد الطب. فالكلمة الأخيرة للأولوية هي الامتحانات والدرجات!
--
في النهاية، ليس معنى كلامي أن مصر تخلو من الأطباء الجيدين، بالعكس تمامًا. بل أستطيعُ أن أقسم أن بمصر أطباءً ليس لهم مثيلٌ بالعالم، وهذا ليس لسبب تفوقٍ جيني، ولكن بُحكم الظروف المتاحة، فقلةُ الإمكانات، تجعلنا حرفيًا "نغزل برجل حمار".
فمثلًا، أضرب كفّا بكف إذ يشرح د/الشافعي كيفية تشخيص نوع الAKI من الفحص الفيزيكال للمريض، دون تحاليلٍ ولا دياولو!
الأمر برمته مثل طعام المدينة الجامعية، يمتلكون المواد الخام الجيدةِ جدًا جدًا، لكن المحصلةِ بعد الاستخدام الخاطئ سيئة جدًا جدًا جدًا! وربما تكون هذي هي مشكلة مصر بأكملها!
وقد يعترض أحدهم، بأنّي كسولٌ مثلًا، ولن أجادل في هذا، لكن حتى مع الكسولين، نستطيع أن نضع نظامًا يأخذ بأيديهم، فالمشكلةُ العُظمى كما أسلفت هي أننا نبذل جهدًا كبيرًا في لا شيء!
هذا والله الموفِق والمُستعان
#أبو_الالطاف