10- البنية الأحادية.

البنية الأحادية هي بنية فريدة من نوعها لأنها تصور قصة سينمائية باستخدام صور تشبه الحلم. و استكشاف بنية الأحلام و الذكريات و الوعي البشري.

الخطوط بين العالم الحقيقي و عالم الأحلام تضعف رويدا رويدا و تصير الرؤية أكثرو أكثر و ضبابية كلما تحرك الفيلم الى الأمام .مما يجعلنا لسنا متأكدين ما هو حقيقي و ما هو غير حقيقي.

The Tree of Life

هذا الفيلم يتبنى بنية أحادية بشكل أكثر تركيزا. مجرد مشاهدة الفيلم يشعرك و كأنك تشهد حياة شخص ما و حياة الكوكب عموما من خلال ذكريات غىمضة و أحلام.

و غالبا ما تقدم هذه الأنواع من الأفلام من قبل نوعية خاصة جدا من الكتاب. على الأرجح لأن سرد مثل هذه القصص خاصة في الحالات القصوى مثل .. شجرة الحياة لتبرينس ماليك غاليا ما تتطلب شخص واعي

لديه رؤية ثاقبة.

القصة

يتحدث الفيلم عن عائلة من تكساس في منتصف الستينيات، ويروي علاقة أفراد هذه العائلة مع بعضهم البعض من خلال نظرة فلسفية عن الحياة، ,كما يتضمن الفيلم مشاهد عن نشأة الأرض وتكون الحياة.

شجرة الحياة فيلم

شجرة الحياة (The Tree of Life) فيلم دراما أمريكي إنتاج عام 2011، إخراج وسيناريو تيرينس ماليك وبطولة براد بيت وشون بن وجيسيكا شاستاين، العرض الافتتاحي له كان في مهرجان كان السينمائي 2011، وقد حصل المخرج تيرينس ماليك على جائزة السعفة الذهبية لفئة أفضل فيلم في المهرجان.

الفيلم الأميركي"شجرة الحياة":

قصيدة بصرية بأقل قدر من الكلمات

عدنان مدانات*
"شجرة الحياة" هو خامس فيلم روائي من إخراج المخرج الأميركي البارز تيرينس مالك على مدى 38 عاما. وكان فوز هذا الفيلم بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان متوقعا على نطاق واسع بين السينمائيين والنقاد، بل وأمرا مسلّما به تقريباً، بالنظر للمستوى الفني المتميز لهذا الفيلم الذي يقدّم نموذجا آخر للتحف الفنية لهذا المخرج.

تستند قصة الفيلم إلى سيناريو من تأليف مخرج الفيلم تيرينس مالك، الذي دأب على كتابة سيناريو جميع أفلامه.

وتقع أحداث قصة الفيلم في ولاية تكساس في خمسينيات القرن الماضي، وتتركز على أسرة مكونة من والدين وثلاثة أبناء، ويقوم بدور الوالدين الممثلان براد بيت وجيسيكا تشاستين، فيما يقوم بدور الابن الأكبر جاك، وهو الشخصية المحورية في قصة الفيلم، الممثل هنتر مكراكين في طفولته والممثل شون بين بعد تقدمه في السن.

تتعقب قصة الفيلم مراحل التطور التي يمر بها الابن الأكبر جاك من سن الحادية عشرة، ويبدو العالم مثالياً وجميلاً بالنسبة لجاك في طفولته، حيث يرى العالم بمنظور والدته التي تمثل الحب والرحمة، في حين أن والده يحاول تعريفه على واقع الحياة وطبيعتها، بما فيها من تقلبات ومشاكل، ويحاول كلا الوالدين التأثير على ابنهما الذي يجد نفسه مجبراً على التوفيق بين نظرتيهما نحو الحياة.

يصطدم جاك شيئا فشيئا بواقع الحياة مع تقدمه في السن بعد أن يتعرف على تجارب الناس من حوله، كالمرض والمعاناة والموت، ويتحول العالم من حوله من مكان مثالي جميل وبسيط إلى عالم معقد. يعيش جاك في عالم عصري مليء بالمشاكل، ويسعى لأن يكتشف خلال المشاهد الزمنية المتغيرة الأشياء الثابتة التي لا تتغير، والتي تمثل الكيان الأزلي الذي يشكل الناس جزءا منه. عندما يرى جاك العوامل التي شكلت عالمنا يبدو له أن كل عنصر في هذه التركيبة عبارة عن معجزة قيّمة بحد ذاتها ليس لها نظير. ومع إدراك جاك وتفهمه لطبيعة الأمور وحقيقتها، يصبح قادرا على أن يغفر لوالده الذي حاول أن يقدّم له صورة واقعية عن العالم، ويصبح قادرا على أن يتخذ خطواته الأولى على درب الحياة. ومن خلال تعرضه لهذه التجارب الصعبة يفقد جاك براءته.

تنتهي قصة فيلم "شجرة الحياة" نهاية تبعث على الأمل، وتقرّ بأن الجمال والفرح كامنان في كل شيء، وفي كل يوم، وخاصة في الأسرة، وفي مدرستنا الأولى، وهي أول مكان يتعلم فيه معظمنا الحقيقة المتعلقة بالعالم وبأنفسنا، كما نكتشف أهم دروس الحياة وهو الحب الذي نؤثر فيه الآخرين على أنفسنا.

يعالج المخرج موضوع فقدان البراءة في الفيلم كجزء من الحالة الأزلية للإنسان. كما يعالج بصورة مجازية موضوع أصل الحياة وتاريخ الكون، ويثير الكثير من الأسئلة التي طرحها رجال الدين والمفكرون على مر العصور، كما يثير التفكير والتأمل الفلسفي المتواصل، بما في ذلك من تأمل ذاتي ثاقب. ولا يخفى وجود بعض التشابه الشخصي بين حياة مخرج الفيلم تيرينس مالك وبين بطل قصة الفيلم جاك، من حيث نشأته الريفية في ولاية تكساس، ووجود أب صارم وفقدان شقيق عزيز.

ليس فيلم "شجرة الحياة" قصة بقدر ما هو انطباع عن حياة الطفولة يتحول بالأسلوب الشعري للمخرج تيرينس مالك إلى انطباع عن الطفولة بجميع أبعادها، والشعور بحب الوالدين، وخبرة مولد أخ أو أخت، وتعلم المشي في سن مبكر، وتعلم الحب والخوف، وألف أمر آخر من الأمور التي تؤخذ كمسلّمات، لكنها أشياء تشكل شخصياتنا وحياتنا أكثر مما نتخيل. وقد وصف أحد النقاد الفيلم بأنه ليس إلا "قصيدة شعر".

تقدّم سلسلة مشاهد "تاريخ الكون" في فيلم "شجرة الحياة" في مونتاج شعري لأروع ما يشاهد من صور الأفلام التسجيلية العلمية. وتذكرنا هذه المشاهد بسلسلة المشاهد العلمية المثيرة لفيلم الخيال العلمي الشهير "2001: رحلة إلى الفضاء" (1968) رائعة المخرج ستانلي كوبريك.

يتميز فيلم "شجرة الحياة"، كسائر أفلام المخرج تيرينس مالك، بتأكيده على اللغة البصرية المذهلة أكثر من اهتمامه بالحوار، واستخدامه البارع للموسيقى التصويرية لتعزيز صورة الطفولة التي يقدمها الفيلم. كما يستخدم مقتطفات قصيرة بأصوات الممثلين في دور الراوي لكل منهم للتعبير، عن حالة ذهنية تتفوق على الحوار المباشر. وتتخلل ذلك العناصر الموسيقية والأصوات الطبيعية، بحيث يقدم مزيجاً صوتياً معبرا عن رحلة انطباعية مجازية عن موقع الجنس البشري في التركيبة الكلية لما حوله. وقد استخدم المخرج شجرة بلوط ضخمة تقع في بلدة سميثفيل بولاية تكساس يقدر وزنها بنحو 30,000 كيلوغرام، كرمز لشجرة الحياة في الفيلم.

تعود فكرة مشروع فيلم "شجرة الحياة" إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي. وقد تم تصوير مشاهد الفيلم قبل ثلاث سنوات، وواصل المخرج تيرينس مالك منذ ذلك الوقت العمل في إعداد الفيلم بصيغته النهائية مع خمسة من فنيي المونتاج، بحيث تمت صياغة الفيلم ليس كقصة سردية عادية تشتمل على شخصيات عادية وأحداث درامية، بل ما يشبه سيمفونية تشتمل على حركات موسيقية ، يعبر كل منها عن ظواهر الطبيعية وأمزجتها، بحيث تلعب الموسيقى دورا أهم من الكلمات. واستخدم في الفيلم 35 من المختارات الموسيقية القصيرة لأبرز مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية مثل باخ وبراهمز وماهلر وهولست.

يعدّ المخرج تيرينس مالك واحدا من أبرز مخرجي السينما المعاصرين في العالم. وتثير أفلام هذا المخرج عادة الكثير من الثناء والجدل بين النقاد. وليس هناك مخرج آخر يحيط بمواضيع أعماله من التكتم والترقب كما يفعل هذا المخرج ، حتى أن كل فيلم يقدّمه يشكل حدثا فنيا مهما. وهو معروف بشخصيته الخجولة وخصوصيته وتجنبه للشهرة والأضواء والاحتفالات الصاخبة، حتى أنه تغيب عن تسلم جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان عن هذا الفيلم ،والتي تسلمها نيابة عنه بيل بولهاد أحد منتجي الفيلم. ولم يظهر تيرينس مالك في أي مقابلة صحفية منذ سبعينيات القرن الماضي، كما لم تلتقط له أي صورة منذ 30 عاما. وهذا المخرج معروف بقلة الإنتاج السينمائي، حيث قدّم خمسة أفلام روائية على مدى 38 سنة، ومضى عشرون عاما بين تقديم فيلمه الثاني "أيام السماء" (1978) وفيلمه الثالث "الخط الأحمر الرفيع" (1998).

يشار إلى أن المخرج تيرينس مالك يتحدر من أصول أشورية مسيحية إيرانية، وهو من مواليد ولاية إلينوي ونشأ في ولاية تكساس، وهو ابن إميل مالك الذي هاجر والده أبفيمالك مالك إلى الولايات المتحدة من إيران، وقد ورد في مصادر غير موثقة أن تيرينس مالك من أصل سوري أو لبناني.

تعرضه لجنة السينما في مؤسسة شومان /عمّان الثلاثاء 7 فبراير 2012 .

* ناقد سينمائي من الأردن