إن كيرالا إحدى الولايات الهندية التي تقع على الساحل الجنوبي لشبه القارة الهندية، حينما نطالع تاريخها الباهض نجد إلى الحقيقة التي هي أن تربتها منذ زمن بعيد مملوئة بشآبيب نعم جزيلة وبركات وافرة أسبغها وصب عليها المنان جل وعلى، ومنها دخول الإسلام الحقيقي في تربتها عند زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء به إليها أصحابه الكرام رضي الله عنهم، ولذلك ظلت كيرالا متميزة من بين سائر الولايات الهندية بتواجد العلماء الأتقياء المخلصين الذين كانوا ورثة الأنبياء في العلم وراسخي القدم في الحضارة وحاملي راية الثقافة مع كونهم قائمين بالدعوة الإسلامية وتربية الناس بالتربية الربانية وتصفيتهم بالحقائق الصوفية، فبوجودهم تنتظم أمور الدنيا وتستقيم أحوال الناس، وبفقدهم تختل الأمور والأحوال، وموتهم موت العالم بأجمعه.

لكن الأسف الشديد فقدنا في خلال السنوات الأخيرة ثلة من هؤلاء العلماء المتقين المتقنين، ويتلألأ منهم الفقيد الشيخ آتيباتا محي الدين كتي مسليار تغمده الله برحمته وصب عليه شآبيب رأفته والذي كان من نوادر الصوفيين ونوابغ العالمين.

لا أدري من أين أبدأ بيان حياة هذا الشيخ التقي، إذ كانت حياته كلها حافلة بالصفاء والزهد والتصوف، وكان صافي القلب وصاحب الورع وملازم الذكر وملجأ الكثير ومحب الدين ومحي السنة وجامع الخصال المحمودة الأخرى للمؤمنين من الكرم وحسن الخلق وما إليهما، وضحى حياته كلها للمجتمع، وعاش بين الناس زاهدا ومتقيا وصوفيا جليا، وعلمهم الإسلام بالحياة ودعاهم إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وشيد في المجتمع الصروح من المبانية الديينة والمدارس والكليات المادية، وترأس لعدة حركات دينية و ثقافية واجتماعية داخل الهند وخارجها، وما ذهب خلف الحياة الفانية بل اختار الحياة الخالدة، بل جاءت الدنيا خلفه مع ما فيها، وأنفق من علمه وماله آناء الليل وأطراف النهار حتى صار علما مغبوطا يتسابقه العلماء والأمراء والنبلاء وغيرهم، ولذا عند فراقه سال من عيون الناس دموع ألمية بلت أجفانهم وخضلت لحاهم.

ولادته ونشأته العلمية

ولد هذا التقي سنة 1936 م في أجيبرا قرب كوتاكل بمقاطعة ملابرم في ولاية كيرالا الهندية، وكان أبوه كومو مسليار عالما ماهرا، وبعد التعليم الإبتدائي أنه واصل دراسته الدينية العليا في المساجد من الأساتذة العباقرة، ومنهم أخو أبيه العالم كنجالن كتي مسليار والفحول وهشي مسليار والصوفي سي أتش كنجين مسليار.

حياته الإجتماعية

إنه رحمه الله قضى 27 سنة متوالية إماما في المسجد في "العين" تحت إشراف أوقاف الإمارات العربية المتحدة، وفي تلك الحقبة المديدة أنه أنشأ صلة قوية وعلاقة وطيدة مع الأشخاص البارزين والأعضاء المتفوقين داخل كيرالا وخارجها، وكان محبا مخلصا لسادات بانكاد وغيرهم وعلماء جمعية العلماء لعموم كيرالا مشهورة باسم سمستا، وعلاوة على ذلك أنه قام بممارسة الشؤون الدينية والثقافية والتعليمية والإجتماعية التي تتعلق بالمليباريين العائشين هنا خصوصا والآخرين عموما، وكان صمدا وملجأ لهم في كل أمورهم العادية.

وكان له دور مهم في بناء المركز السني بأبي ظبي و تشكيل بعض الجمعيات وتشييد المؤسسات الدينية في الإمارات المختلفة العربية، ولعب دورا بارزا أيضا في بناء المعاهد االدينية الأخرى، ومن انجازاته النيرة حرم وادي الرحمة الشاسع بكادامبزا وبناء فتح الفتاح العالي الجميل بأتيباتا، وأن حرم وادي الرحمة يشتمل على عدة مؤسسات دينية ومادية مثل كليتي الوافي والوفية العربية وكلية الفنون المادية والمسجد الجامع الواسع والمدرسة المادية العليا وماإليها، وأما البناء المرتفع الملون باالأبيض بأتيبتا جانب بيته صرح ديني ومركز روحي يحتوي على قاعة الإجتماع المرتبة بتسهيلات حديثية وأعتدة جديدة، ويعقد فيها مجالس الذكر الروحية ومؤتمرات الجمعيات الدينية، وفيه أيضا كلية عربية دينية ودرس خاص يتركز على موضوع التصوف.

ابتلي هذا الشخص العالي في إبان حياته الصفية بمرض سرطان شديد، ولكنه صمد أمام هذه المصيبة الخطيرة كصمود الجبل الشامخ أمام العاصفة البطاشة راضيا على أن هذا البلاء من الله جل شأنه ومحققا للحديث النبوي الشريف التالي :وَعَنْ أبي يَحْيَى صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ. رواه مسلم، وكان يقول كل حين وآن "الحمد لله" كالمؤمن الحقيقي التقي النقي.

حياته الصوفية

لا غرو لو قلنا إنه كان الأستاذ أتيبتا أيضا شخصا مخلصا علق قلبه بالأشخاص الصوفية وسلك إلى طرقهم الروحية وملأ حياته بالأذكار الإلاهية وطهر قلبه بالأنوار المحمدية، وكان له علاقة روحية وطيدة للعلماء الصوفية والمشائخ الروحية منذ نعومة الأظفار، ومن هؤلاء الصوفي المشهور أبوبكر مسليار بآلوا والمستان عبد الرزاق بمديكل والمخلص التقي تينو مسليار بكورياد والشيخ الشهير ومستجاب الدعاء بابو مسليار بجابنغادي وما إليهم، ولما اجتمعت هذه الصلات الروحية مع توفيق الله الوهاب استطاع له أن يصطف في طابور الصوفية الحقيقية، وفي نفس الوقت ما حرص على احتلال المناصب العالية والمقامات الفائقة بل تقمص وتعمم لنشر كلمة الله العليا، بل العجب لقد كان ثريا يمتلك أضرابا من الأموال وأنواعا منها لكن أنفقها في سبيل الدين والعلم والدعوة وعاش حياة الزهاد مع التوكل الكامل.

من الواقعة المهمة في حياته الروحية لقاءه مع الشيخ للطريقة الشاذلية عبد القادر العيسى رحمه الله عام 1976 ميلادية، وكان يسكن العيسى رحمه الله في ذاك الزمان في المدينة المنورة، وتقدم الأستاذ أتيبتا إليه من العين أثناء موسم الحج في هذا العام وتسلم منه وظيفة الطريقة الشاذلية، وبعد هذا أعطى له إجازة هذه الطريقة وعينه خليفة له في الهند.

لما كان في الولايات العرب المتحدة حاول وبذل قصارى جهوده لتوعية الناس دينيا وثقافيا واجتماعيا بعقد حلقات الذكر ومجالس الوعظ داخل الدولة وخارجها، وسافر بهذا الصدد إلى بلدان أخرى مثل مليسيا وسنغافورة ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى.

كان يمارس أيضا بعد رجوعه من العين إلى كيرالا بنشاط كامل في الأمور المتنوعة والشؤون المختلفة رغم كونه مبتليا بأمراض شتى بما فيها السرطان، وكان ذا همة كبيرة وعزيمة متشددة علم جيدا بأن عزة الإسلام وروح السؤدد لا تسترجع ولا تسترد إلا بالنشاطات التعليمية حسب مقتضيات العصر والأمة وفي لغة الزمان وأساليب المكان فشد مئزره لتأسيس المباني النافعة بما فيها حرم وادي الرحمة و بناء فتح الفتاح.

مع هذا كله أنه لاح نجما لامعا في المجال الروحي أيضا في كيرالا وترأس لعدة حلقات الذكر والعلم كما فعل أثناء حياته في العين، وما كان يخطب في المجالس أكثر من عشر دقائق، وأنه سلط الضوء أثناء خطباته على أهمية ذكر الله واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وحث الناس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان لكلامه تأثير شديد في قلوب الناس لأنه تكلمهم من قلبه إلى قلوبهم.

كان ذا طمع وعزيمة لاتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في كل أمر من الأمور، وكان يأكل مع الجماعة في طبق كبير واحد متبعا للسنة النبوية، وكانت حياته في هذا المجال أيضا مثال جميل لهذه الأمة المحمدية العاصرة.

إنه عاش برا لجيرانه والناس حوله ولوكان بعضهم غير المسلمين، وكان محققا أيضا لقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم "أكرم جارك ولوكان كافرا"،وبالجملة أنه كان ملجأ للناس في كل أمورهم الدنيوية وشؤونهم الأخروية.

وفاته

انتقل الأستاذ أتيبتا رحمه الله إلى جوار ربه تعالى بعد الحياة الممتلئة من الأعمال الصالحات والنشاطات الدينية في 19 من شهر ديسمبر عام 2018 م من بيته في الساعة 11:50 صباحا ،ولما انتشر خبر فراقه تقدم إلى بيته حشد كبير مع حزن شديد لرأية وجهه المضيء أخيرا وللدعاء له وللصلاة عليه، وكان من بينهم العلماء والأمراء والسادات والسياسيون من كل حدب وصوب داخل كيرالا وخارجها، ودفن في رحاب فتح الفتاح الذي بناه جانب بيته بأتيبتا، ولا ندري كيف وارت تلك البقعة هذا الشخص النقي التقي في تلك اللحدة.

لقد رحل عنا إلى الله تعالى وذكرياته النيرة ستبقي في أذهاننا في كل آن، وكان شخصا جليا وقائد نصر الأمة وكشف الغمة، ونحن بالحاجة الماسة إلى شخص بدلا عنه ونائبا له في الأعمال الدينية الروحية، تقبل الله تعالى خدماته الجليلة لدين الإسلام، ومحى ما كان من السيئات وجزاه عنا أحسن ما جزا سيد عن قومه وقائدا عن أمته وجمعنا وإياه في دار السلام ، آمين.