بعد أن أنهى اتصاله مع أمير الجماعة، قرر رحيم أن يجعلها مهمته الأخيرة، خاصةً أن المبلغ هذه المرة سيكون أكثر من كافٍ لعيش حياةً كريمة، والأهم من ذلك لإجراء العملية الجراحية لابنته.

لم يكن مقتنعًا بأفكار (الأخ مصعب) حين طرحها عليه قبل عام، كان يعلم أنه وجماعته على باطل، لكنه لم يستطع –وهو عاطلٌ عن العمل- مقاومة رزمة المال التي دسّها ضيفه في جيبه واعدًا إياه بمثيلاتها إن هو وافق على العمل كحارس شخصي للأمير.

مرّ العام سريعًا، وثقة الأمير بحارسه تزداد يومًا بعد يوم، إلى أن جاء يوم السعد (كما أسماه آنذاك) وطلبه الأمير إلى مكتبه. وهناك رحب به الأخير ترحابًا شديدًا. وبعد أن سأله عن الأحوال، أخبره عن السبب الحقيقي للاجتماع.

- كما تعلم يا أخ رحيم، فالخراب عمّ البلاد، فسق وفجور، وسُكر وخمور، كل ذلك وشيوخ السلاطين في دولتنا شياطين خُرس بحجة تشجيع السياحة، لكننا لسنا كذلك، أم تُراني مخطئ؟

- حاشا لله طبعًا.

- بارك الله فيك ونفع الإسلام بك وبأمثالك، لهذا السبب قررنا أن نُغيّر المنكر بأيدينا.

- وكيف ذلك يا مولانا؟

- سنحاربهم بسلاحهم، سندخل عقر دارهم ونُريهم ألّا راد لقضاء الله سبحانه إلا هو. لكننا لن نفعل كمن سبقونا فنفجّر مقهى أو ملهى، وإنما سفاراتهم ذاتها.

- السفارات؟! لكنها محصنة جيدًا.

- {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ}، لهذا السبب وقع اختيارنا عليك. خاصةً وقد علمنا أن زوجتك تحمل الجنسية الأمريكية وبالتالي فأنت تحملها أيضًا، صحيح؟

- نعم (قالها بصوتٍ متردد وقد بدأ يُدرك إلى أن يقودهم هذا الحديث).

- ممتاز، هذا سيسهل علينا المهمة كثيرًا، ألا تريد أن تخدم دينك وتُرضي ربك؟

- بالتأكيد أريد ذلك.

أخرج الأمير من درج مكتبه ظرفين، ثم سلّمهما لرحيم تباعًا، قائلًا: في هذا الظرف شريحة ذكية، ولا يخدعنّك حجمها الصغير، فهو لا يُعبّر مطلقًا عن تأثيرها التدميري. المطلوب منك أن تدخل السفارة –والظرف في جيبك- مبرزًا جواز سفرك الأمريكي، وبذا لن يشكّ بك أحد، ثم ادخل دورة المياه واخفه هناك، بعدها غادر السفارة مباشرةً وسنتكفل نحن بالباقي. أما هذا الظرف، فوضعنا فيه هدية صغيرة نرجو أن تقبلها منّا.

قضى رحيم الليل بطوله وهو يراجع الخطة، وما إن طلع النهار حتى قام فحلق ذقنه وارتدى البذلة الفاخرة التي منحه إياها الأمير لهذه المهمة، ثم غادر المنزل متجهًا نحو السفارة.

سارت الخطة كما يجب، وها هو الآن جالسٌ في سيارته وقد أسند رأسه إلى المقود منتظرًا سماع الانفجار. وفجأة، دوى الانفجار بصوتٍ يصمّ الآذان، وتعالت الصرخات من كل مكان. تتبع رحيم بنظره عمود الدخان الأبيض الذي ارتقى السماء مصطحبًا معه عشرات الأرواح "الكافرة".

ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه وأخرج هاتفه من جيبه ليزّف بشرى نجاح العملية. لكن هاتفه كان مغلقًا نتيجة نفاد البطارية. اشتعل القلق في قلبه مخافة أن يكون الأمير قد اتصل به، فأسرع وشبك الهاتف بشاحن السيارة، وما إن عادت الحياة إلى الهاتف، حتى أومض مُعلنًا وصول رسالة من زوجته:

رجيم! أنا مصدومة حقًا، حاولت الاتصال بك لاستوضح حقيقة الأمر –قبل أن أتخذ أي قرار- لكن هاتفك كان مغلقًا. على العموم، هل تذكر اتفاقنا في أيام الخطوبة؟ ألّا تنتقي من شرع الله ما يوافق رغباتك؟ لست مهتمةً باسمها، بالتأكيد تعلم عمّن أتحدث، عن زوجتك الثانية التي تتأنق كلما ذهبت للقائها. باختصار، أنا الآن واقفةٌ على باب السفارة، أرجو أن تنسانا –أنا وابنتي- للأبد.
بالمناسبة، أنا لم أخطئ في كتابة اسمك، فأنت بحق شيطانٌ رجيم!

انتفض قلب رحيم من الغضب لعصيان زوجته أوامره، ومع ذلك تنفس الصعداء لأن الرسالة لم تكن بخصوص العمل المقدس الذي يقوم به، كان يعلم أنها عاجزة عن السفر بصحبة ابنته دون إذنه، وبذا اطمئن إلى أنها ستعود إلى المنزل، وحينها سيكون لكل حادثٍ حديث.

فجأة، نظر بذعر إلى توقيت إرسال الرسالة، كان قبل 10 دقائق. وهنا بدأ يلطم وجهه بهستيرية.