إهداء

...


تنويه هام

يجب أن تعلم بأنني لست روائيًا، ولست صاحب هذه القصة حتى! أنا مجرد راوٍ لما حدث ذات يوم، حين قررت أن أحاوره. لا يهمّ من "هو" .. المهم أنه لا زال حيًا يُرزق (وربما أمنحك عنوانه بعد أن أنتهي من رواية قصته).

دعني أخبرك أيضًا أنني أنشر روايتي عنه دون علمه، لذا كن حذرًا لِمن تُهديها، فربما وصلت إلى يديه وغضب، وأنت لا تريد -بالطبع- أن تتسبب ليّ بالأذى، أليس كذلك؟

وأخيرًا، يُمكنك اعتبار ما أكتبه مذكرات ناقصة (بما أنني استحضرها من ذاكرتي)، لكن تذكر: كل ما ورد هنا .. حقيقيٌ تمامًا.


القرار

- لماذا تخلصت من كل تلك الأوراق؟

- أسرار حياتي ولا أريد أن يطلع عليها أحد.

- لكنك تعبت في كتابتها.

- صحيح، لكن إحراقها أسهل بكثير من محيها من أذهان الناس.


كنا حينها في منزله، والذي يُطل على أكبر "مقبرة" في المدينة.


- ما أخبار روايتك الجديدة؟

- أشعر أن كل ما أكتبه بلا قيمة، وأظن أن مصير هذه المسودة -ولوّح بها قريبًا من وجهي- سيكون في (الهولوكوست) كسابقاتها.

وهنا تمرّد السؤال الذي لطالما كتمته داخلي: ألا تستسلم؟ ألا يُرهقك استرجاعك للماضي؟ ألن تكف عن البكاء على الأطلال في رواياتك المحترقة؟ بصراحة، أخشى أن تتهور وتنشر إحداها!

- وعمّا عساي أكتب إن لم يكن استرجاعًا للماضي؟

- عن الأمل، الحرية، الأحلام، الحُب ..

- لا أستطيع .. فلم أُجرّب أيًا مما ذكرت!

- ألم تجرب الحب يومًا؟ ألم تحلم بأي شيءٍ في حياتك؟ (كنت اسأله وهو يهزّ رأسه نفيًا)

- لكن هذا مستحيل! أين كنت طيلة تلك السنين؟

- في عالمٍ صنعته لنفسي .. كنت إلهًا خلق كونًا دون مخلوقات.

(ما هذه الطريقة الغريبة في الكلام! لكنني مُضطر لمجاراته.)

- ولماذا خلقت هذا العالم؟

- لأشعر بذاتي.

- وهل شعرت بها حقًا بعد كل الجهد الذي بذلته؟

- لا، بل ندمت .. لم أكن إلهًا حقيقيًا .. فالآلهة لا تندم.

- وماذا ستفعل الآن؟

- لا أدري .. أفكر في الموت.

- يا لك من أحمق! هذا يُدعى "هروب الجبناء".

- فليكن .. المشكلة أنني لا أجد مخرجًا لذاك (الهروب الجبان).

- وماذا عن مشروع الزواج؟ ألا يمكنه أن يكون الحل الذي تبحث عنه؟

- لا يا صديقي، أنا ذو روحٍ مستهلَكة، سأُرهق أي شريكٍ معي، ثم أنني أقلق من البدايات الجديدة، فهي دومًا ما تحمل ألمًا مختلفًا!

كنت أعلم أنه لن ينتحر، لكن ما فعله كان أسوأ بكثير.

- لم أتخيل أن الجنس بهذه اللذة، أشعر بالسعادة لأنني لم أنتحر قبل اختبار هذه المتعة الاستثنائية!

لم أحر جوابًا لما قاله، كنت مصدومًا تمامًا، أما هو فأكمل ليقول:

- فجأة ترددت -داخل عقلي- موسيقى تصويرية لمسلسل تلفزيوني كان أهلي يُتابعونه في مراهقتي، وبالضبط حين كنت أشعر بالألم لما حدث بعدها بيومين. لذا تباطئت حركتي بعد أن انطفأت الرغبة داخلي. فما كان من الفتاة سوى أن نهضت لتستر نفسها.

- ما بك يا حبيبي؟

- "حبيبي"؟ شعرت بها كلمة ثقيلة على مسامعي، ومع ذلك أسندت رأسي إلى الجدار خلفي وقلت: أنا حزين يا كاترينا، فقد كسبتك، لكنني خسرت الكثير.

- هل تقصد أهلك؟

- نعم، أنا لم أحادث والدتي منذ عامين، ولا أعلم من أخبارها شيئًا.

- هي من هجرتك قبل أن تهجرها.

- ألا تعتقدين أنه كان من الممكن تسوية الأمور دون أن أنفصل عنهم؟

- كل شيء قابل للإصلاح، أنت فقط تلوم نفسك أكثر مما ينبغي، لا ذنب لك في كل ما حصل، والآن، هلّا عدنا إلى ما بدأناه؟

- آسف، لم تعد ليّ رغبة.

رأيت الخيبة في عينيها، لكنها سرعان ما ابتسمت لتقول: كما تشاء حبيبي؟

(حبيبي مرة أخرى؟!)

- كاترينا، أريد أن أتمشى قليلًا .. وحدي.

- لا عليك، هل أحضّر لك العشاء ريثما تعود؟

- لا، قد اتأخر في العودة، اخلدي للنوم إن شئتِ.

يومها خرجت لأجد شوارع المدينة هادئة أكثر مما يجب، اشتقت لصخب مدينتي، ولأمي التي لا زالت -كأي أمٍ في الدنيا- تنتظرني هناك، لكن فات الأوان.

أكره الحنين، لكن سؤالًا ينهش عقلي: إلى متى سيبقى الحال كذلك؟

~~~

انقر هنا لقراءة الجزء التالي