**مبني على قصة حقيقية**

تناول تيم سيجارة من العلبة، وبدأ يفركها بين أصابعه ليُفرغ نصف التبغ الموجود داخلها على سطح الطاولة، مُقنعًا ذاته أن ذلك يُخفف ضررها.
كان يُمضي أغلب وقته ما بين النوم والتدخين وتصفح شبكات التواصل الاجتماعي، وأحيانًا يتصل بزملائه في المكتب، يسألهم عن توقعاتهم حيال مدة الحظر الذي دخل يومه الثلاثين. وفي خضم ذلك، يتأمل طفليه سامي ورامي واجمًا رافضًا إلحاحهما بمشاركتهما اللعب.

هذا الفراغ الذي حملته أيام الحجر يعرّيه أمام نفسه، فهو لم يرى يومًا نفسه أكثر من موظف في العمل وربّ أسرة في المنزل.
أما الآن، فهو يشعر بأنه لم يكن سوى (فأر هامستر) يدور في عجلة. ولأول مرة يخطر في باله سؤال: "من أنا؟" وما يُفزعه أن الإجابة –بعد حذف دوريه- كانت: لا أحد!

جلس الجميع على مائدة الغداء واجمين، تناول تيم بضعة لقيمات، ثم تنحى جانبًا ليُشعل سيجارة، في حين استمر الولدان في مشاكسة بعضهما.
وفجأة، انتفض تيم واقفًا، وقذف صحنه نحو الحائط، فأطبق الصمت على المكان.
"إلى متى ستظلون أطفالًا؟" قالها وارتجافة السيجارة -بين أصبعيه- توحي بالغضب المعتمل في صدره.
حاولت زوجته رهف تهدئته، لكنه دفع يدها بعيدًا، وهكذا عادت لتجلس منكسرة.

- كل ما تفعلونه هو امتصاص جهدي وتعبي، فها أنا أقضي الليالي ساهرًا لتأمين لقمة عيشكم، ولا أجد امتنانًا في نظرة أحدكم، هل ترونني أبًا شريرًا؟ إذًا، أنا كذلك!
أأزيدكم من الشعر بيتًا؟! أنا نادم على إنجابي لكم، بل نادم على زواجي من أمكم أصلًا.

وفجأة، وكأن أحدهم ألقى بدلو ماء فوق جذوة غضبه، سكن تيم وجلس ينظر في عينيّ رهف التي اغرورقت بالدموع.
ظنّت رهف أنه يراجع نفسه، فهي معتادة على ثورات غضبه، والتي دائمًا ما كانت تنتهي به يقبّل رأسها ويعتذر.

لكنه عوضًا عن ذلك، تابع حديثه، إنما بهدوء أكبر: "هل تذكرين (عصام) صديقي في الجامعة؟" ودون أن ينتظر سماع إجابتها، أكمل: شاهدت صورة له على "الفيسبوك"، كان جالسًا بصحبة فتاة جميلة، ومن الواضح أنها ليست زوجته.. فالزوجات لسنا جميلاتٍ هكذا، هو الآن يقطن لندن، تعلمين ذلك، صحيح؟ أما أنا، فأعيش هنا، في هذا البلد الفقير الملل، والذي زاده الحظر سوءًا.

نهض تيم عن كرسيه ثم اقترب من رهف ليرفع وجهها وتتلاقى نظراتهما:

هل فكرت في خيانتك؟ نعم! بل وأكثر من مرة.. رغبت في تعويض نفسي عن الكبت الذي عشته، كل ما أسمعه –منذ شهور- هو انتقاداتك لأدنى حركة تصدر عنيّ: لا تترك شعر لحيتك داخل المغسلة.. لا تصرخ على أطفالي.. هل تظن نفسك الوحيد الذي يسأم هنا؟
نعم! أن الوحيد الذي يستحق أن يشعر بالسأم.. بل وبالندم أيضًا! 
فأنا من قضى جُلّ حياته يحاول تأمين مستقبلكم حتى نسي مستقبله، ومن يحاول تلبية رغباتكم حتى لو كانت ضدّ رغباته. ظننت لوهلة أنني سأجد عائلة محبّة في فترة الحظر، لا زوجة منشغلة في شؤون منزلها على حساب زوجها وأطفالها، فلا يأتي الليل إلا وأجدك هامدة! كم مرة أخبرتك: هي فترة لن تتكرر يا رهف، فترة يُفترض أن تقرّب بيننا أكثر. لكنك عوضًا عن ذلك، تنهمكين في عملٍ عبثي يُسمى (تنظيف المنزل)، والذي لا يمرّ يومان دون أن يعود لسابق عهده اللعين! بل ولما يومان.. إن كنت قادرًا –خلال لحظات- على تسريع الأمر.

صرّ تيم أسنانه وهو يقول عبارته الأخيرة، ونهض ليُسقط أُصص الزهور بجانبه أرضًا بكل قوته، الأمر الذي أفزع طفليه فهرعا إلى غرفتهما.

أرأيتِ سُخف ما تقضين به أيامك؟ ربما منعتني الظروف من خيانتك على أرض الواقع، لكن -في خيالي-عشت ألف ليلة وليلة، كل منها مع امرأة مختلفة، امرأة تهتمّ بيّ، وترى فيّ بطلها الذي لا يُقهر.

لاحظت رهف تهدّج صوت زوجها، لكنها لم تحرّك ساكنًا.. على غير عادتها في مثل هذه المواقف.

أعترف أنني شخص ضعيف، وكثيرًا ما أتهرّب من المواجهة، تارةً بالنوم وأخرى باللوم، لكن ألا استحق فرصة؟ رهف، أنا أشعر بالعجز أمام ما يحدث الآن، والذي لا يبدو أنه سينتهي قريبًا، إذًا.. لما لا نعيش أيامنا الأخيرة كما نُحب ونرضى؟ قد انهيت كلامي، هل توديّن قول شيء؟

في ذات اللحظة، أطلّ سامي برأسه من غرفته ليسأل والده: تلفاز.. ممكن؟ ليهزّ تيم رأسه موافقًا.

وما إن فتح سامي التلفاز، حتى ظهر على شاشته مذيع مبتسم، يزفّ بشرى انتهاء فترة الحظر لتنهي معها معاناة رهف التي نهضت –دون أن تنبس ببنت شفة- فحملت طفليها وغادرت المنزل.