لطالما كانت المواضيع التي تسكننا من الداخل , هي الأكثر صعوبة في الحديث عنها .. لأن ذلك يستلزم أن نخرجها من أعماقنا كي نتحدث .. أن نحفر عميقا ً .. أن نتذكر كل ما يتعلق بها .. معها ..

دمشق .. ليست بالمدينة , ليست بقطعة أرض و بعض الشوارع ... بل و ليست ببعض الذكريات .. إنها كل شيء :
إنها الحياة باختصار ..
السعادة باختصار ..
الحب باختصار ..
هي محور مركز الكون (الذي هو أنا ^_^ ..)

دمشق , لم أرها .. و لم أسكنّها حقا ً .. إنما هي من سكنتني .. كنت طيلة الوقت بعيدا ً عنها , لا أتجول فيها ... فبحكم طبيعتي المنعزلة لم أكن أحب الخروج عن نمط حياتي المعتاد المُختصر في رحلة ذهاب و إياب
بين المنزل - العمل , المنزل - المدرسة , المنزل - الجامعة.. لذلك فأنا إلى الآن لا أعلم كثيرا ً من أماكنها .. لكنها مع هذا لم تبخل عليّ بأي شيء .. و منحتني بحجم المساحة التي سمحت لها بالتسلل فيها إلى
داخلي ... بالأحرى للحياة و ليس لها .. و إن كانت هي الحياة فالمعنى واحد..

قد تتسائل أيها الكون الذي يدور حولي عن سبب استخدامي للغة الفصحى ..الجواب بسيط , العربية لغة رفيعة المستوى .. لغة تتعلّق بكل شيء و كل شيء يتعلّق بها ..
لذلك فهي تليق بهذه المدينة و بالحديث عن هذه المدينة التي ليست كأي مدينة ..

و كأنني الآن بها تُرسل نسمات من عبقها إليّ .. أكاد أشتمه .. و أكاد أجزم بأنني لو مددت يديّ للأمام .. للمست الجُدر المُغبِرة لها ..

و الآن في الغربة , يختلف طعم كل شيء ..و يُسحب الهواء من الجوّ .. بل ويُحقن بدلا ً منه ثاني أكسيد الكربون .. لذلك نختنق .
لكن الندم أكثر ما يسكنني هو أنني كنت في جنّة و رحلت عنها .. مرغما ً 
صحيح , لكن لكنت أفضّل أن أموت حيث كنت على أن آتي إلى هنا ..

و تتقافز إلى ذهني صورة لـ سلمى , من سلمى ؟ هي سلمى الهلالي .. ابحث
عنها على الانترنيت حتى تجدها .. اقرأ عنها و اقرأ لها .
أشعر بها تختصر دمشق , لأنها زارت كثيرا ً من أماكنها ..

و المطر . .. ماذا أحدّثك عن المطر أيها الكون الذي يريدني كونا ً أكبر يدور حوله ..?
المطر في حدّ ذاته سحر و جلال و بهاء و ضياء .. ( ليست هذه للأولاد أسماء! ) , فكيف حين يكون في دمشق ..؟
في دمشق , المطر شفاء .. يغسل كل شيء ... بل أنه يُطفئ الشهوة لو وُجدت ..لكنني كاذب ! ... ففي دمشق لا توجد شهوات .. إنما هناك حب ... هناك عاطفة
.. هناك نُبل .. هناك أقوام جاءت من سحر الأساطير لتسكن بيننا .. اتخذت من دمشق محطة دائمة لتجسّد كل شيء قرأناه عن ذلك العصر الجميل : حيث
الغني غني عن الغرور و السؤال على حدٍّ سواء ..

أذكر أنني حين رأيت صورة لحبّ مراهقتي الأول - وكان حبا ً على الانترنيت - كانت السماء تمطر في الخارج , و كان يجب عليّ أن أنزل تحت هذا المطر لحضور درس ٍ في اللغة الإنجليزية ..
كان يومها مطرا ً رقيقا ً كغلالة من حرير .. شديدا ً كهدير شلال .. كنت يومها اغتسل تحته .. و أدع له مهمة إطفاء نار الحب التي أشتعلت في قلبي ... لكنه لم يفعل .. أشفق على النار فتركها .. و علم أن نار الحب لا
تُحرق فتركني ..
كنت سعيدا ً .. لا أعتقد أنني سأعلم السعادة بعد تلك السعادة ..
كانت الجمال و الصفاء و الرقة و النعومة و الطهر و شغب الأطفال و شقاوتهم و براءتهم ... كلها تجسدت فيها ..
و لهجتها .. آه ٍ من لهجتها .. كانت مغربية تتحدث اللهجة السورية .. و اللهجة المغربية لهجة قاسية .. فحين تنحني لتلتقط كلمات اللهجة الدمشقية ... ينحني الكون معها علّه يسبقها فيلمس يدها بالصدفة .. فأغار أنا و أحرقه بمن فيه !
حين تتحدث باللهجة الدمشقية ... تستمع حينها إلى صوت يشبه رنين جرس بعيد ... أشبهه برنين قوس قزح : جمال سمعي و بصري من خامة مستحيلة ..

انظر كيف نسينا دمشق و تحدثنا عن الحب ... لكن دمشق وطن .. و تلك الفتاة وطن آخر .. و أنا الضائع المتشظي الحائر المُبحر في ملكوت سرمديّ.. ليّ .. و ليّ وحدي ..

دمشق سكنتني , لذلك حين خرجت منها .. خرجت منيّ ... ففرغت من كل شيء ..

و الآن أصبحت دمشق هي قبلتي , هي "مكّة " التي يهفو إليها قلبي ..

نعم,قد رأيتها تنهار .. رأيت الحزن و القهر و الحقد يستعمرونها .. رأيت أناسها يتغيرون .. رأيتهم يتحولون إلى أن وحوش .. و يتخلّون عن أنسانيتهم ليتحولوا إلى حيوانات شرسة بريّة ..
دمشق تغيرت .. دمشق حزينة .. دمشق تبكي ..

شعرت بذلك كله .. لكن حبّها لم يتزحزح عن موضوعه في قلبي .. و لا حتى قيد أنملة ..

--
لا يخرج الكلام منيّ بانسيابية , و رغم أنني أكتب منذ ساعة ( الساعة الآن 9.17 ) إلا أنني لم أكتب الكثير .. حتى أنني لم أجد في نفسي ذلك الشغف بالكتابة , ربما ليأسي .. ربما لشعوري بأنني أكتب لذاتي مجددا ً .. أتوقع أن يكون الأمر أفضل في المرات القادمة ( حين أراك أيها الكون , أو أيتها المجرّة ... تدور حولي ).

سأكتفي اليوم بما كتبته ... لنرى ما سيحصل في المرات القادمة .. ^_^