نوهنا في المقال السابق المقدمة لهذه السلسلة من المقالات على ضرورة ربط أحزمة الأمان والاستعداد للتحليق مع هذه السلسلة التي تتكون من 48 مقال، سنشرع في كل مقال بشرح وتبسيط قانون من قوانين القوة والسطوة والتي ستمكنك بإمتلاك زمام القوة والسيطرة، وذلك من خلال تقديم وتنقيح للكتاب الشهير "48 قانوناً للقوة" للكاتب (روبرت جرين) ونقله للعربية الدكتور (محمد توفيق البجيرمي) .. فهيا بنا إلى القانون الأول:

لا تتفوق على مديرك

عندما توفى رئيس وزراء لويس الرابع عشر (جول مازاران) توقع (نيقولا فوكيه) وزير المالية أن يعينه لويس الرابع عشر رئيساً للوزراء خلفا لـ (جول)، وقد كان (فوكيه) سخياً مسرفاً يُحب المال والحفلات البازخة ومقرب لدى الملك، إلا أنه فوجيء أن الملك لويس قد ألغى المنصب، مما جعل فوكيه يشك في أنه فقد حظوته عند الملك، فقرر أن يتملق الملك لعله يستعيد تلك الحظوة من جديد، فاقام أروع حفلة شهدها العالم آن ذاك، وكان الغرض الظاهري من هذه الحفلة هو الاحتفال بإكتمال بناء قصره الريفي، ولكن (فوكيه) قصد من هذا الحفل تكريم الملك كضيف شرف.

وحضر الحفل ألمع النبلاء وأعظم الشخصيات، وقدمت أشهى وأحدث الأطعمة التي لم يسبق أن تذوقها أحد في فرنسا، وعزفت أرق المقطوعات بأمر من (فوكيه) تكريماً للملك، وامتد الحفل لساعات طويلة من الليل، واتفق الجميع أنه أعظم حفل شاهدوه على الإطلاق.

وفي اليوم التالي أصدر الملك أوامره بإلقاء القبض على (فوكيه) بتهمة اختلاس أموال الدولة، وألقي في السجن في حبس انفرادي مدة عشرين عاماً حتى مات.

التفسير:

في الحدث السابق كان مثالاً لإنتهاك القانون .. كان لويس الرابع عشر الملك الشمس، فكيف لنجم في السماء أن يظهر برَّاقاً لامعاً أشد من وهج الشمس، كيف لرجل من وزراء الملك أن يخطف الأنظار ببزخه وحضوره في حضرت الملك، كيف يتفوق وزير المالية على من عينه بهذا المنصب، فبالتأكيد لن يطيق الملك أن يتفوق عليه أحد، فهرع الملك لتعين (كولبير) خلفاً لـ (فوكيه) وقد عرف (كولبير) ببخله الشديد وحفلاته الفاترة، نعم فبقدر خفوت نجم (كولبير) بقدر ما يتلألأ بريق الملك الشمس، فأخذ الملك لويس في إقامة الحفلات الأكثر بذخاً وشيد قصره الأكثر روعة في محاولة منه لطمس ما بقي من بريق ذكرى وزير ماليته السابق (فوكيه) الذي تجرأ عليه بإستعراض ثروته ونفوذه وسطوته، ففي الوقت الذي حاول فيه (فوكيه) إثبات حسن ذوقه ومدى شعبيته وتخيل أنه يستعرض ولاءه وإخلاصه للملك متملقاً إياه لعله يستعيد حظوته، إلا أنه في الواقع ودون وعي أو إدراك منه كان يطعن الملك في كبرياءه ويسلب منه تفوقه وعلو مكانته وينازعه سلطانه وسحره وشعبيته.
وبدلا من تملق لويس الرابع عشر فقد خلصت الحفل إلى إحداث شروخ في غرور الملك، وهكذا هو قدر كل من يُفقدون السيد شعوره بالاتزان والسطوع، أو يجعلونه يشك في بروز مكانته، فعندما بدأت الحفل كان (فوكيه) على قمة الدنيا وعندما إنتهت كان في الحضيض.

الشاهد والقانون:

اجعل مديرك أو رئيسك يشعر دائما بتفوقه ويبدو لامعاً أكثر مما هو عليه ولا تبالغ في اظهار ذكائك في حضرته وستصل دوماً لقمة السلطة، ولا تُشرق أكثر من السيد، وإلا فإنك تثير لديه الخوف وانعدام الأمان.


القانون التالي: احذر أصدقائك واستخدم أعدائك