في الحقيقة هناك فئة من الناس إن آمنتهم على نفسك خذلوك، وإن مكنتهم منك اضاعوك، وإن اعطيتهم مفتاحك غزوك وهزموك، ولعلهم كُثر في هذا الزمان، ذاك الزمان الذي ضُيعت فيه الأمانة وتفشت فيه الخيانة.

وهؤلاء هم من قال فيهم روبرت جرين صاحب كتابنا "قواعد السطوة الـ 48": (لكي تحافظ على مكانتك بين الناس عليك أن تجعلهم محتاجين إليك ومعتمدين عليك لتحقيق سعادتهم واستقرارهم واستمرارهم، ولا تعلمهم أبدا ما يمكِّنهم من الإستغناء عنك)، وقال في موضع آخر من هذا الفصل: (إن لم تجعل لوجودك ضرورة فستجد نفسك مطروداً في أول فرصة)

تلك هي الحالة المعهودة التي نرى فيها رجلاً من رجال كواليس البلاط الملكي أو أحد أتباع الملك يتحكم بمقاليد الأمور، ليس من خلال أن يستأسد على رجال الحكم أو الملوك، ولكن يكفي أن يُظهر نية الانسحاب، تاركاً الملك وملكه في مهب الريح، والنتيجة معروفة للملك، فما يكون للملك إلا أن ينصاع لصاحب الرأي والحنكة.

يالها من مزلة نلمسها بين كل الطبقات وفي كل المهن والمجالات، ولا يستغلها في نفسه إلا صاحب غرور ضعيف النفس قليل الورع والإيمان، لأنها سلاح يغتر من يحمله، ولذا فالأخذ بهذا السلاح دون حاجة أو ضرورة مفسدة ومدعاة للتباغض ونبذ الأحقاد، ولأن السطوة لا تولد وتظهر إلا في العلاقات بين الناس، فلو حباك الله بعلم وأختصك به من دون من حولك، فلا تستغل الناس أسوأ استغلال وتركن إلى ما لديك وليس لدى الناس، وتذكر أن من اعتمد على ماله قل، ومن اعتمد على عقله ضل، ومن اعتمد على جاهه ذل، ومن اعتمد على الله لا قل ولا ضل ولا ذل.

غير أنه هناك من الناس من تحتم علينا أخلاقهم اتقاء شرهم بالمداراة والمداهنة، فأظنه لا ضير في ذلك، فعليك أن تعامل الناس على قدر عقولم، وتنزل الناس منازلهم، أما إن كان من غير حاجة فأحذر، فكم رأيت من أناس نزلوا من عروشهم بعدما غرهم مالهم أو جاههم أو عقلهم، فالسطوة هنا ليست إلا بيد الله، ويحضرني هنا أبلغ ما قيل في العزة وامتلاك السطوة مقولة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله).

وكما أن الإتاحة طوال الوقت تسفه من نفسك فإن من الحكمة أن تكون ليناً سهلاً في أحيان.


القانون السابق: لا تُخالط البؤساء
القانون التالي: ادفع بالتي هي أحسن