أثارت العولمة منذ تسعينات القرن الماضي جدلاً واسعاً، بين متفائل يرى وجهها الحسن ومتشائم يرى فيها العيوب، ولعل كتاب ( فخ العولمة) الذي ألفه الكاتبان هانس بيترمارتن وهارلد شومان في عام 1996 من أهم الكتب التي تناولت الوجه القبيح للعولمة وفندت المزاعم حول ما يسمى عدالة العولمة التي لم ولن تكون سوى خرافة وأكاذيب للتغطية على حقيقة العولمة فمصطلح (Globalization) يدل فيما يدل على شبكة من الشاشات والوصلات والفيوزات والكابلات والأقمار الصناعية التي تطوق البشرية من جميع الجهات الجغرافية والنفسية والتي لم تجن البشرية منها ـ بحسب الكتاب ـ إلا المزيد من فقدان المكاسب التي حققتها خلال الفترة الماضية.

سقوط العالم في فخ : العولمة؟

التساؤلات والمخاوف التي طرحها الكتاب قبل عشرين عاماً غدت اليوم واقعاً مراً نعيش آلامه ونتائجه القاسية فالأزمات العالمية شبه الدورية والاضطرابات المحلية المدمرة لم تدل على نهاية التاريخ بحسب فوكوياما الباحث الاستراتيجي ومؤلف كتاب نهاية التاريخ، بل بداية تاريخ جديد من تحكم الأخ الأكبر ـ أو عدد من الأخوة الكبار ليس بالثروات والجغرافيا فحسب بل بالقلوب والعقول وهو الأخطر، ويركز الكتاب بحثه على المخاطر المتوقعة للعولمة على دول الرأسمالية بعد اتباعها(النيوليبرالية )، مبيناً الثمار المرة التي بدأت تحصدها مجتمعاتها، إلا أن تلك الدول لربما اتخذت احتياطاتها وتدابيرها لتخفيف المخاطر في الوقت الذي لم تحتط المجتمعات العربية فسقطت سقوطاً مدوياً في هزات اجتماعية وأحداث عاصفة منذ عام 2011 بحيث لم نرى من العولمة إلا الوجه القبيح: التفتت والتفكك وتراجع التنمية وازدياد التبعية وازدياد الفجوة مع العالم المتقدم وغيره.

تزايد التمايز الطبقي: مجتمع الخمس الثري وأربعة أخماس الفقراء

إن التقدم التكنولوجي سيغير اتجاهات الطلب على اليد العاملة حيث سيزيد الطلب على اختصاصات معينة تتعلق بالعلوم التكنولوجية فيما سيقل الطلب على التخصصات التقليدية التي لم يعد لها مكان في إمبراطورية الأسواق، فبحسب الواقع الجديد فإن المؤسسات الناجحة التي سيقوم عليها النشاط الاقتصادي العالمي تحتاج لنسبة 20% من اليد العاملة، بالنتيجة فإن 80% من اليد العاملة سيصبحون (فائضاً زائداً) يعيشون على الصدقات والتبرعات، لاشك أن هذه النظرة المتشائمة أثارت العديد من المنتقدين الذين يرون أن التقدم التكنولوجي أصبح نشاطاً اقتصادياً بحد ذاته، وأن كثيراً من المجتمعات النامية اكتسبت مركزاً اقتصادياً مرموقاً باعتمادها على الاستثمار في العلم وفي التكنولوجيا، إلا أن الكتاب يصر على هذه النظرة حيث يستعرض ما كتبه العالم جون نايزبت المختص بشؤون مستقبل واقع المجتمعات الصناعية:( أن عصر المجتمعات الصناعية وما أفرزه هذا العصر من مستوى معيشي مرتفع لجمهور المجتمع ليس سوى  حدث عابر في التاريخ الاقتصادي) ربما ما تعانيه اليوم بعض الدول الصناعية الناهضة كالصين والمكسيك والبرازيل وغيرها من تحديات  بسبب النمو الصناعي الهائل، يدلنا مرة أخرى على متانة وجهة النظر التي اعتمدها الكاتبان.

هيمنة ثقافة والت ديزني

يبدو شعار تحقيق الوفرة الذي تدعي الليبرالية الجديدة تحقيقه من خلال شعار (كل شيء صار موجوداً في كل مكان)، فارغاً إلا من ناحية واحدة (الثقافة الأمريكية ) التي انتشرت في كل مكان في الكرة الأرضية، وبالتحديد عالم والت دزني، الذي استطاع دحر الاتحاد السوفيتي حيث اشتهرت مقولة (ميكي ماوس تغلب على ستالين)، فقد استطاع عالم ديزني استعمار الثقافة العالمية، وذلك لأن مروجي هذه الثقافة استفادوا من المنافسة القديمة بين السريع والبطيء والشاق والسهل والمعقد والبسيط، حيث اختاروا السريع والسهل والبسيط وغزت منتجاتهم الثقافية العالم واحتلت رموزها خرائط عقولهم وصارت هوليود بأفلامها المثيرة عاصمة إمبراطورية العولمة.

السيطرة على الأسواق المالية: دكتاتورية ذات مسؤولية محدودة

أضحت حركة النشاط الاقتصادي العالمي تخضع لتحكم النخب المالية والاقتصادية العالمية من خلال أذرعها العولمية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها من المؤسسات التي ترتبط عبر شبكات إلكترونية بالمصارف وشركات التأمين وصناديق الاستثمار وغيرها، وهو ما جعل وقوع الأزمة في بلد معين يؤدي إلى انتشاره في البلدان الأخرى، فالأزمة المالية التي ضربت اقتصاد المكسيك، توسعت لتشمل بعض دول أوربا الشرقية وجنوب شرق آسيا، وبالتالي جعلت العقد الأخير من القرن العشرين يشهد تساقط النمور الأسيوية التي غدت( نمور من ورق) بعد فترة قصيرة من ظهورها العاصف، وهو ما يدخل في إطار فوضى الأسواق المالية التي يتسبب بها أصحاب الشركات العابرة للقارات الذين يتحكمون عن بعد بسوق مالية خالية من الضوابط والمعايير، ولا يتورعون عن تسخير موارد الدول وأموال دافعي الضرائب لإنقاذ مصالحهم من الانهيار، وما عملية (درع البيزو) المتمثلة بتقديم قرض 50 مليار دولار لإنقاذ اقتصاد المكسيك بعد أزمتها المالية إلا( هدية قدمها دافعوا الضرائب للأثرياء ـ الصبيان) الذين يتحكمون باقتصاد السوق.

شريعة الذئاب

أن الليبرالية الجديدة لا تعني حرية تدفق الأموال والسلع والبضائع فحسب بل تعني تحرر الرأسمالية العالمية من كل الالتزامات الأخلاقية والاجتماعية نحو العمال والمجتمع بهدف تعظيم الربح، لاسيما أن هذا النظام الاقتصادي المبني على الجدارة العالية والتكنولوجيا المتقدمة، والخاضع كلياً لمتطلبات المنافسة ( التي لا تعرف الرحمة )في الاقتصاد المعولم على حد قول (Wall Steet Journal) يتسبب بفقدان كثير من الوظائف واختفاء فرص العمل الآمنة، وازدياد خضوع العمال لإرادة رب العمل والرضوخ لشروط عمل قاسية وتجاوز ساعات العمل، وتخفيض الأجور  واعتماد نظام العمل اليومي إضافة لاستخدام الخبراء من الدول النامية بأجور زهيدة ونقل المصانع إلى الدول النامية حيث اليد العاملة الرخيصة والمواد الخام المتوفرة وحيث لا رقابة على المخاطر البيئية ناهيك عن التحلل من التأمينات والضغوط النقابية والتأمين الصحي، في الوقت الذي تراجعت المساعدات التي تقدمها الدول المتقدمة للدول المتخلفة ولمواجهات الأزمات الدولية وللتخفيف من آثار التكنولوجية على المناخ، لهذا فقد ذهبت سدى أغلب المكاسب التي تحققت للطبقة العاملة في القرون الماضية، هذا الواقع وصفته نيوزويك (الرأسمالية القاتلة)، وفي توصيف آخر (رأسمالية صالات القمار) ودرج في اقتصاد السوق الأمريكي الشعار( الرابح يحظى بمفرده بكل الثمار) أي أن مصير باقي المتنافسين الهلاك.

هل تنفع الأكاذيب لإرضاء الضمير؟؟

يعود الكتاب ليضع حداً لكل مزاعم مؤيدي العولمة الذين يصنعون وجهاً حسناً لها، بزعمهم أن العولمة تحسن فرص البلدان النامية للحاق اقتصادياً بركب البلدان الصناعية، وأن البشرية ستحقق المزيد من العدالة في توزيع الرفاه بين الشمال والجنوب، حيث يؤكد أن العولمة العادلة مجرد خرافة فحيثما فتحت الأبواب لتدفق الرأسمال تفتح أبواب الأزمات والكوارث والحروب وإن مردود هذا التدفق على التقدم الاقتصادي الحقيقي بالنسبة للدول النامية كان ضئيلاً، ويؤكدان ذلك مستشهدين بالتجربة المكسيكية التي فتحت الأبواب لتدفق الرساميل الأمريكية واستضافت معظم شركات صناعة السيارات الأمريكية العملاقة إلا أن ذلك لم ينعكس إيجاباً على المكسيك ..والآن بعد عشرين عاماً ماذا حدث في المكسيك التي تحولت إلى قطب صناعي ؟؟ لقد تراجع الإنتاج الزراعي المكسيكي بسبب منافسة المحاصيل الزراعية الأمريكية المدعومة المسموح لها الدخول بدون ضوابط حسب قوانين حرية تدفق الأموال والبضائع، وترك كثير من الفلاحين المكسيكيين العمل في مزارعهم وانتقلوا للعمل في المصانع في الشمال، بالتالي فإن اقتصاد السوق غير المقيد قد يجرد الدول النامية من أهم أسلحتها وهو الإنتاج الزراعي الذي يعد قوة إستراتيجية يؤمن استقلال القرار السيادي للدول، وهذا بدوره يعيدنا إلى عنوان أحد فقرات الكتاب( القمح كقوة عظمى) الذي يبين أهمية المحاصيل وخاصة مخازين الحبوب كسلاح استراتيجي في المستقبل .

الخاتمة

رغم مرور أكثر من عشرين عاماً على صدور هذا الكتاب وتجاوز الزمن للمصطلحات التي وردت فيه إلا أنه في جوهره يعبر عن الواقع الحالي للبشرية حيث وقعت بين أنياب أصحاب النفوذ والمصالح ومالكي الشركات العابرة للقارات ( الصبيان) الذين لا يقدرون المخاطر التي تحيق بالبشرية نتيجة سعيهم المحموم نحو الربح السريع في ظل تبنيهم ثقافة قاتلة تتحلل من أي واجب أخلاقي وأي مسؤولية إنسانية تجاه الآخرين، فهؤلاء يدمرون الأسس التي قامت عليها المجتمعات الصناعية ومنها الديمقراطية والرفاهية فهل ستمضي البشرية كالأعمى في هذا الفخ أم ستبحث عن مخرج ؟ الكتاب طرح رؤية واقعية لتجاوز هذا الفخ عبر تفعيل مؤسسات النظام الرأسمالي والضغط نحو التكامل والتعاون بين الدول الأوربية لتقوية أسس الدول والأنظمة الحمائية، ولربما أخذت الدول الرأسمالية ببعض منها، إلا أن تداعيات العولمة مفتوحة على المجهول في ظل تغير اللاعبين في الرقعة الاقتصادية الدولية حيث يحصل الآن وعودة ملفات الطاقة في شكلها (الغازي) إلى ميدان التنازع الدولي وهو الذي سيزيد من قباحة وجه العولمة في نظر شعوب الدول النامية.