أنفاس حالمة

    اليوم ليلة الرابع عشر من شهر محرم.. الثامنة والنصف مساءً .. إنها ليلة البدر .. أُطل من شرفة المنزل ..أنظر إلى السماء ..أنفاس هادئة  تتأمل صبغة الله .. أُطيل النظر ..أُبحر بخيالي على مَتن سفينة أحلامي التي تعج بركابِ أمنياتها لتحتل ميناء عقلي فترسو به..أرى الكونَ مُضاء والقمر.. مصابيحٌ هي نجومه... تحاكيني.. لما الضيق!.. لا أدري عمَّ أبحث .. ما الذي تشتاق عيناي لرؤيته!! .. وتتوق نفسي إليه!!.. لعلي أشتاق لعالم آخر غير الذي نعيش فيه..

     التَّفكّر في صنع الخالق جلَّ علاه ماأبدع صنعه وإتقانه .. النظر في جمال الكون ومخلوقاته يأخذك لعالم آخر من الروحانيات .. كغيث يسقي القلوب محبة ونعيمًا .. سبحانه لم يخلق هذا الكون الفسيح المتقن إلا لحكمة.. خلقه وخلقنا لأمر عظيم جلل.. لهدف أسمى من مجرد الحياة على وجه الأرض.. نحتاج لمعرفة ذاتنا ثم السمو والارتقاء بها..كي نصل لمرحلة الصدق في حب الله وعبادته..

     في هذا التوقيت.. يصل القمر مرحلة اكتماله ودورانه .. يصبح بدرًا .. ساطعًا بكامل هيئته.. يظهر بلونه الأبيض الفضي ليزين السماء .. مشاعر جمال وإبداع يعجز لساني أن يستدعي لقلمي الحروف كي يصف ويخط ماتراه عيناي وما أشعر به .. سنا ضوئه يشع حوله فيصنع هالة من نور وسط السماء.. تنيرها والأرض .. يطلُ عليه ويقف بجانبه نجمة بيضاء .. لمعانها ينافس لمعانه ..لا.. ليست تلك نجمة..إنه كوكب.. يُخال إلي أنه كوكب المشترى ..أكبر كواكب المجموعة الشمسية يزيد من جماله ضوء القمر ..تخيلت أنهما يتحدثان همسًا .. عاشق ومحبوبته .. يتجاذبان أطراف الحديث... لا أحد يراهما.. لا يهتمان بما حولهما.. صفاء السماء  تحوطهما .. سبحانك ربي الذي يعمر قلوبنا بالإحسان والأمان كما يعمر السماء بالقمر والنجومِ .. ويعمر الأرض بالبشر...

    نزلت ببصري لأسفل .. عالم الأرض ..ياله من عالم!.. وكأنك خرجت من عالم الروحانيات إلى عالم الأنس.. ضجيج وضوضاء .. صراخ وضحكات.. سيارات وبشر.. عالمان مختلفان بالفعل في كل شيء .. جال في فكري خواطر لم يستطع قلمى أن يخط بها حروفًا وكلمات.. يتوه الفكر .. تتوه المعاني .. كثيرة هي خطوب الحياة .. أحداث وقضايا تعج بها رأسي.. أريد أن أتلمّس وأمسك أطراف خيوطها وأكتب .. قد تصل رسالتي لمن أراد أن يقرأ لي.. ها أنا أرغم القلم كي يحاول معي أن أسطرها .. ربما تصل إلى من تعنيه فتُحدِث فيه تغييرًا.. أو تكون سببًا لنشر خير وكف شر .. إعانة لمكلوم وعزاء للمصاب...

     كلُ يندفع ويدفع بنفسه داخل حلبة صراع .. كل من فيها يتصارع لأجل المال والجاه .. لأجل السلطة والصدارة .. صار السباق محتدمًا .. يشتد التنافس .. الأنفاس تلهث والأفكار مبعثرة .. كلُ لايعرف أين يضع قدميه .. تخيلنا أن الحياة هدفنا .. صرنا ندور بين رحا الأيام .. لا نستطيع التقاط الأنفاس .. قبورنا تبنى ونحن ماتبنا .. النفس تتوق للراحة .. نقف نلتقط أنفاسنا لنعاود الكرة مرة أخرى .. نهرول ونعيد السباق .. لكن في طريق آخر مع أناس آخرين.. نعيش سجال .. يوم لك ويوم عليك.. نعيش مشاعر متضاربة متناقضة .. نبحث عما يُفرِح قلوبنا.. يجبر خواطرنا.. يُضمد جراحنا .. عن ضحكات بها يصفى القلب ..

     صعب ألا يملك الإنسان قراره ولا يجرؤ على اتخاذه.. ليس لديه فكرًا أو رأيًا مستقلًا.. يمشي كيفما يسير القوم .. ضمن القطيع .. عندما يختلون بأنفسهم لايدرون .. هل يتصالحون أو يتصارحون أم تعاد الكرة ويتنازعون.. هل نحن في هذه الحياة خُلقنا نعيش لنعمل.. أم نعمل لكي نعيش!.. نعيش لنأكل.. أم نأكل لنعيش!..صرنا نركض ونلهث ونسينا الهدف من خلقنا..

متى نفر إلى الله ورحمته!؟..

     أسأنا إلى أرحامنا .. قَطَّعنا ما أمر الله به أن يوصل .. حتى بتنا نسمع بقضايا المحاكم بينهم.. لِمَ؟ .. من أجل المال والإرث ؟!.. نسوا علاقة الرحم وأنها معلقة بعرش الرحمن ..هذا الجرم كأنه شىء من السهل تقبّله..أصبح الأب والابن والأخ والأخت على غير وفاق مع بعضهم البعض .. قلوبٌ قست .. مروءة انعدمت .. شهوات الدنيا في قلوبهم وعلى قلوبهم أقفال..

قال تعالى : "ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ"

صدق الله العظيم ( البقرة ٢٧).

متى نفر إلى الله ولطفه ورحمته!؟..

    ضاعت هيبة كبرائنا بيننا .. تاه التعظيم والاحترام والقدوة .. اكتظت دور المسنين بآبائنا وأمهاتنا .. ضاقت بيوتنا بهم .. هي في الأصل بيوتهم .. التي أفنوا أعمارهم في بنائها .. لم تسع ضعف ووهن أجسادهم في أرذل عمرهم ..أُغْلِقَت أبوابها في وجوهِهم .. كما أُغْلِقت وتحجَّرت من قبلِها قلوبُنا ..لم يعد للرحمة مكانا بيننا.. لم نرحم دموعَهم عندما كانت تَذرف منهم كسقوط قطراتِ الندى من وريقات الورد عند اقتلاعها من جذورها.. أخذناهم بأيدينا لمن يرعاهم .. ردا لجميلهم...

قال تعالى: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا"

صدق الله العظيم ( الإسراء 23)

متى نفر إلى الله ورحمته ولطفه!؟...

    من ضيق الدنيا وإن وسعت ورحبت .. من كدرها وقلة حيلة فقيرها .. جشع الكثيرين واستغلال حاجات الناس لعدم قدرتهم على سد احتياجاتهم اليومية .. من سطوة وبطش وغطرسة ظالميها ومستغليها.. هذه الظاهرة التي تفشت في مجتمعاتنا .. " مكاتب الربا" والتي تمارس أعمالها في وضح النهار .. تضاعف أسعار الفائدة بما يفوق ٣٠٠٪؜ أحيانًا كثيرة .. من يعجز عن السداد يكون مصيره السجن ..

    أسرة لم ترزق بالأولاد .. بعد خمسة عشر عامًا منَّ الله عليهم بالولد .. كان يحتاج وضعه في الحضانة أربعة عشر يومًا.. كل يوم يتكلف ٨٠٠ جنيه .. لم يكن معهم من المال مايكفي .. ضاقت عليهم الدنيا.. اضطروا للدين .. لكن الجشع أصبح سمة بعض الخلق .. أقرضوهم مقابل أن يتم سداد الدين بزيادة ربع المبلغ لكل يوم .. أي منطق هذا وأي أخلاق هذه .. ألا يكفي سداد الدين بدون زيادة؟.. رحمة بهؤلاء الناس.. ألا يكفي ماهم فيه من ألم ليس فقط لفقرهم واحتياجهم .. لكن أيضًا خوفًا من فقد وليدهم؟!.. تركنا المعروف ومُلِئت البطون بالربا..استغلالًا للفقرِ والعَوَز...

قال تعالى: "وأحل الله البيع وحرم الربا"

صدق الله العظيم(البقرة 275).

متى نفر إلى الله ورحمته ولطفه؟!..

     اختلط مفهوم الرزق عند البشر .. ينظرون للمال بأنه المقياس.. نظرة محدودة .. يعيشون في غفلة.. العجب أن يُصاب بعض أصحاب الأموال الكثيرة بالغفلة أكثر من غيرهم .. ينطلق عطاؤهم في غير مقصده .. يخسرون أسرهم التي تركوها لجمع المال .. أولادهم لم يجدوهم بجانبهم عندما كانوا في أمس الحاجه اليهم .. ومع ذلك لو سألنا الفقير مالذي يجلب لك السعادة سيقول على الفور أنه المال .. من المؤكد لأنه يحتاجه .. سواء كان على خطأ أم صواب.. سيظل متمسكًا برأيه إلى أن يغتني .. هنا ربما يغير رأيه..ربما!..

متى نفر إلى الله ولطفه ورحمته!؟..

     ضاعت القيم الإنسانية وانقلبت المعايير..أصبح أذى الجار لجاره سمة واضحة.. سواء كان جار السكن أو جار الصحبة أو حتى جار الطريق والعمل.. وجار المسجد ليس ببعيد أيضا عن هذا..ساد الكره والحسد بينهم..

يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه في حديثه: (مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) صدق رسول الله…

متى نفر إلى الله ولطفه ورحمته؟!..

     احتارت أنفسنا وتاهت .. تخبطت خطواتنا.. لم يعد للارتقاء بأنفسنا رغبة أو حتى قدرة .. بعدنا عن الاستقامة..غلبت علينا شهواتنا .. قل المخلصون لله.. كثر الجاحدون .. خلع حجاب الحياء والوقار من وجوهنا..ضاعت الأمانات..عششت الغربة بيننا وقبلها في نفوسنا.. أهملنا العلم فجهلنا .. ضاع العدل وغاب الضمير وطغت المادة..

متى نفر إلى الله ولطفه ورحمته.؟!.

     إن المتأمل في هذا الكون الواسع بسمائه وأرضه ومابينهما، يرى أن الكون كله يسير وفق نظام دقيق وتنسيق محكم، كمال واتقان يبهر العقول ..جعل الله الإنسان خليفته في الأرض.. فكر أيها الإنسان وتفكر سابحًا في فضاء الكون الواسع.. أطلق العنان لفكرك.. ما يلبث أن يرجع منكسرًا خاضعًا لعظمة الله وملكوته.. نأتي الدنيا ونتركها خالين الوفاض .. متى تفيق الأفئدة والنفوس الغافلة؟..

    نحن نمتلك اختيار الطريق .. أنت وحدك أيها الإنسان من تملك أن تأتي الطاعة أو تأتي طريق العصيان .. اضبط نفسك كما انضبط الكون حولك حتى تستقيم ..ليس عليك إلا الالتزام بأوامر الله وتجنب نواهيه .. العمر قصير ..الدنيا فتن .. تأمل وتفكر في ملكوت السماوات والأرض وبديع خلق الله تعالى..ولن نستطيع التفكير الصحيح إلا إذا أزلنا الغمام عن الأعين .. نحاسب أنفسنا نتأمل تصرفاتنا.. ندرك أخطائنا حتى ولو متأخرة ..

قال تعالى

وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ

صدق الله العظيم (الروم - ٢٢)