بين الأدب والحقيقة

     الأدب هو مرآة لكل زمانٍ ومكان .. هو صورة للحياة .. أو نستطيع أن نقول هو تعبير عن الواقع بأساليبٍ جمالية تعتمد على اللغة العربية التي يُطلق عليها "بنت عدنان" نسبة إلى العدنانيين الذين كانوا يتكلمون بها، وهم قبائل عربية يعود أصلها إلى جدِّهم الأكبر عدنان، ولا خلاف بين النسّابين والمؤرخين في أن عدنان هو من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ولكن الخلاف في عدد الأجداد بينهما ...

      نعود مرة أخرى وقولنا أن الأدب هو تعبير عن الواقع، وهنا يُقْصَد بالواقع المجتمع بمكوناته الثقافية والاقتصادية والسياسية ومايدور فيه من صراعات، والطبيعة المحيطة بما فيها من ظواهر طبيعية وجغرافية متنوعة، الإنسان ومايحدث في نفسه من رغبات ومخاوف وما يدور في عقله من أفكار وخيالات، فيزداد معرفة الطبائع البشرية، يتعرف الإنسان على حياته وحياة الآخرين التي يُلقي الأدب الضوء على تجاربهم المُميّزة والتي تضيف لتجاربه وثقافته.. إنه يطلعنا على ما كانت عليه الحضارات والأمم السابقة، فهو وسيلة لا غنى عنها لتوثيق التاريخ الذي عاشه أجدادُنا ونعيشه نحن الآن وسيعيشه أحفادُنا في المستقبل.. وتذكر معي هذه الجملة سنعود إليها مرة أخرى...

     تَطَوَّر مفهوم كلمة "أدب" بتطوّر الحياةِ العربيّةِ من الجاهليّة حتّى وقتنا الحاضر عبر العصور، فقد كانت كلمة "أدب" في الجاهليّة تعني "مأدبة"، فقد كانوا يُطلقونها على الطعام الذي يدعون إليه الناس، وفي العصر الإسلامّي اِستعمل الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، كلمة أدب بمعنى "التّهذيب والتّربية"، في العصر الأمويّ اِكتسبت كلمة أدب معنى "تعليميًّا" يتّصل بدراسة التّاريخ والفقه والقرآن الكريم والحديث الشّريف، وصارت كلمة أدب تعني تعلُّم المأثور من الشّعر والنّثر، أما العصرالعبّاسيّ فقد جمع بين المعنيين السابقين وهما "التّهذيب والتّعليم" وصار أشمل وأعم، وهكذا بدأ مفهوم كلمة الأدب يتّسع ليشمل سائر أنواع المعرفةِ وألوانها ولا سيما علوم البلاغة واللّغة، أمّا في عصرنا الحديث أصبح مفهوم الأدب يدلّ على معنيين، الأوّل معنى شامل ويُدرِج جميع ما يُكتَب في اللغة من العلوم والآداب تحت مفهوم الأدب، أما المعنى الثاني ويُقصد به أنّه لا بدّ أن يكون الكلام يتّصف بالجمال والتّأثير ليكون أدباً، ويشمل العديد من أساليب الكتابة الشعرية والنثرية والمسرحيات والروايات.

     منّا من يعتبر الأدب في المقام الأول متعة.. والمتعة قد تتخذ أشكالًا مختلفة، بعضنا يجدها في التعرف على حياةِ أُناسٍ في بلدٍ معيّن أو منطقة معينة، وفينا من يقرأه لشغل أوقات فراغه واستثمارها وآخر يُقبل عليه فرارًا من عالَمِه الذاتي واللجوء إلى عالمٍ آخر، كثيرون يلجأون إليه طلبًا للمعرفة والاطِّلاع، وما أكثرنا الذي يجد حلولًا لمشاكله الشخصية حين يلتقي على صفحات الكتب مع أُناسٍ تتشابه مشاكلهم مع مشاكلهِ إلى حدٍ قريب أو بعيد، فنفهم مواقفَ عَجزْنا عن فهمها في الحياة الواقعية ..

     نعود إلى ما سبق في حديثنا وهو أن الأدب وسيلة لا غنى عنها لتوثيق التاريخ لكن.. هل يعتبر وسيلة عادلة ونزيهة لكتابة التاريخ؟ هل يعطينا حقيقة مؤكدة عن التاريخ؟.. حين يخضع التاريخ لوجهات النظر فمن أين يستقي القارئ الحقائق؟.. هل يمكن للروايات أن تَكْتُب أحداثًا تاريخية مُنصفة ونزيهة من خلال سرد ما ذكره أو حتى أغفله المؤرخون؟.. هل يمكننا نحن القُرّاء التمييز بين الحقيقي والمُزيف للكتابات الأدبية؟

      كل هذه الأسئلة الإجابة عليها تعتبر في الواقع وجهات نظر معتمدة ومبنية على وجهات نظر آخرين والذي كانت آرائُهم بالتبعية مبنية على وجهات نظر من سبقوهم ووثقوا فيهم ..وهكذا سلسلة متشابكة من وجهات النظر كلها معتمدة على روايات وكتب وأدب ولا ندرى هل من كتبوها ووثَّقوها كانوا يتمتّعون بالحيادية في عرض المعلومة!!..أم كان منهم من هو منحاز أو مُجامل لوجهات نظر قريبة إلى عقله أو قلبه!؟.. سلسلة من الآراء والأفكار ووجهات نظر تُكَوِّن وتصنع لنا إرثًا تاريخيًا لابد من تداوله ولايمكن دحضه.

     هل نضمن أن الأدب لا يحمل في طياته حلقاتٍ مُزيفة دُسّت فيه عمدًا ممن كتبوه لكى تصبح ضمن أحداث التاريخ!!.. لأنه من الأكيد عند تزييف أحداث وتداولها في الكتب والروايات ستصبح بعد ذلك واقعًا وحقائق ثابتة يتم تصديقها.

    في كتاب ( لماذا تكذب كتب التاريخ؟) " لمؤلفين روسيين هما يوري موخين وألكسندر شابالاوف" يدافعان دفاعًا شرسًا ومستميتًا عن جوزيف ستالين،( رئيس الاتحاد السوفيتي) ضد كل من شوّهوا سمعته في كتب التاريخ واعتبروه في هذا الكتاب أعظم قائد عسكري ظهر في جميع العصور وفي جميع البقاع، كانا يبرران ما يقوم به من قمع في تلك الحقبة من الزمن والتي انتشرت فيها ضحايا قمعه على كل أراضي الاتحاد السوفييتي، وقاموا بتشويه تروتسكى الذي كان من أشد أعداء ستالين.. بعد ذلك تأتي إلينا رواية "الرجل الذي كان يحب الكلاب" للروائي الكوبي "ليوناردو بادورا" هذا العمل الأدبي المُبْهِر يدور بنا في أروقة عالم السياسة والأنظمة، فهى رواية تناصر تروتسكي ولها رأي مغاير عن ستالين الذي كان أعظم قائد عسكرى هو نفسه أصبح ملعونًا في روسيا بعد موته، فقد قُتل تروتسكى بأمر وتخطيط من ستالين، وصارت صور الأخير وتماثيله التي كانت في كل بقعة في الأراضي الروسية، أصبحت مخبأة في مستودعات ومُغطاه بالغبار… نفس الشخص تُعظِّمه روايات وفِي نفس الوقت تُدينه روايات أخرى .. أيهما نصدق وأيهما نتبع..

    كان هناك استمالة وتوظيف للأدب لصالح السياسة لِما وجدوا من قوة تأثيره على الشعب، ففي ظل عهد ستالين أخضع معاونيه الأدب ليكون في خدمة الدولة بشكل قصري، وقام بالتضييق والنفي وكافة ألوان التعذيب لكل من يعترضون النظام، فرض قواعد صارمة على الكُتّاب والمُبدعين لكي يتّبعوها وخلق نوعًا من الأدب المُزيّف يماثل ما كتبوه بأيديهم في كتب التاريخ.

    ومع كل هذه الاستمالات والتضييق لم تستطع الدولة قهر الأدب، فكان هناك من يكتبون بصدق عن الواقع المُفعم بالفساد والظلم والقمع .. لكن منهم من نُفىَ ومنهم من أُعدِم

     حين قرأت عن كل رواية وجدت نفسي أتأرجح بين آراءٍ متضاربة، هل هذا صحيح أم ذاك مُخطئ أم كلا الإثنين على صواب أو حتى كلاهما على خطأ، يصنعون تاريخ السياسيين البرّاق بمنهجية ملفقة دون أن يعيروا أهمية تصديق الآخرين لها، فكل فريقٍ يحاول أن يخترع أكاذيبًا وهمية تصنع منهم أبطالًا ويُدين بها أعدائه من الفريق الآخر، أما الشعوب فهم ضحايا موهومين بكل مايُقدَّم لهم، فيقعون فريسة لمعلومات خاطئة تحولت لديهم إلى حقائق مؤكدة…

     أيضًا كان هناك كثير من الكتب والتي تتناول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وفترة حكمه، بعضها يعتبره رئيسًا ناجحًا ومنهم من رآه أخفق وكثيرون وقفوا على الحياد وآخرون اعتبروه نجح وأخفق في آن واحد.

    إن التاريخ لايُكتب من خلال العواطف والانحياز أو المجاملات ولايحتاج إلى التأويل أو التخيّلات التي تتحكم في وعينا سواء بتعمد أو عن غير قصد وبالتالي يتحكم في صناعة واقعنا من خلالنا فيحدث تلوينًا وتشويهًا للتاريخ.

     مشكلتنا اليوم ليست في فهم ماهية الأدب بل في الطريقة والكيفية التي تُفْرَض منّا جميعًا في كتابته، علينا أن نتكيف مع عصر السرعة والتكنولوجيا المتطورة في إيصال هذا الكنز إلى أجيالنا المتعاقبة وتعريفهم على أجدادهم الأدباء، وحقائق تاريخهم وحضارتهم محاولين تحرِّى الصدق في نقل المعلومة بطريقة حيادية في قول الرأي والرأي الآخر وعدم الانحياز لطرف دون الآخر، فعلى الكاتب أن يراعي ضميره ويتحرى الأمانة عند تناوله الموضوع فيعرض المزايا كما يعرض المساوئ من وجهة نظر محايدة وبدون تعصب وتحفز للطرف الأقرب لعقله وفكره، فلا يميل لجانب ولا ينحاز لآخر، ولا تطغى الإيجابيات على السلبيات أو العكس، فكلنا بشر وكلنا خطاؤون، وعلى المؤرخ أن يكون ذا بصيرة ووعي في نقله عن المصادر.

     وسيبقى التاريخ هو الشاهد على حياة الأمم والشعوب وحضاراتها.

قال (الإمام الشافعي)

وما من كاتب إلا سيفنى *** ويبقى الدهرَ ما كتبت يداه.

فلا تكتب بخطك غير شيء *** يسرك في القيامة أن تراه.

# مها الجمل